بعد أسبوع من الزلزالين المدمرين بقوة 7.
2 و7.
5 درجة الذين ضربا شمال فنزويلا في 24 يونيو، لا تزال البلاد تعيش كابوساً إنسانياً متكاملاً، حيث انهارت المستشفيات تحت وطأة أعداد الجرحى الهائلة، وعمّت الفوضى الشوارع مع انتشار النهب واتهامات لقوات الأمن بالتقصير، بينما يقضي آلاف النازحين لياليهم في العراء وسط مخاوف من انتشار الأوبئة.
انهيار نظام صحي كان يعاني أصلاًقبل الزلزال، كان النظام الصحي الفنزويلي يعاني من أزمة مزمنة: نقص حاد في الأدوية والمعدات، هجرة أكثر من 42 ألف طبيب وطاقم تمريض خلال السنوات الماضية، وانقطاع متكرر للمياه والكهرباء في المستشفيات.
وجاءت الكارثة لتنهي ما تبقى من هذا النظام الهش.
وكشف تقييم لمنظمة الصحة العالمية أن 38 مستشفى على الأقل تضررت أو خرجت عن الخدمة جراء الزلزال.
وفي مستشفى" فارجاس - IVSS" في لا جوايرا، يعتبر الوضع كارثياً بكل المقاييس: 96 مريضاً محشورون في جناح يتسع لثمانية أسرة فقط، والمشرحة غارقة بالجثامين، ومصرف الدم لا يتوفر فيه سوى 35 وحدة، وجهازا التنفس في وحدة الصدمات معطلان لانقطاع الكهرباء.
المستشفى لا يملك حتى خط هاتف أو إنترنت للتواصل مع المرضى أو تنسيق التحويلات.
في مستشفى" خوسيه جريجوريو هيرنانديز" في كراكاس، يفتقر الأطباء إلى المسامير والصفائح اللازمة للجراحات العظمية والشاش الطبي لمنع الالتهابات.
يُضطر الجراحون لإجراء عمليات في غرف عمليات مؤقتة بعد أن تضررت أجزاء من المبنى.
ويناشد الأطباء وسائل التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات من المستلزمات الطبية الأساسية.
نقص حاد في سيارات الإسعاف يجعل معظم المصابين يصلون إلى المستشفيات على متن شاحنات بيك أب، بينما يضطر أقارب المرضى إلى إحضار مستلزماتهم الطبية بأنفسهم من مسكنات ومضادات حيوية وشاش.
أرقام الضحايا في ازدياد مستمرأعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريجيز ارتفاع عدد القتلى إلى 2,595 والجرحى إلى 12,400، بينما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود نحو 50 ألف شخص في عداد المفقودين.
وتتحدث قاعدة بيانات رقمية مستقلة عن أكثر من 43 ألف مفقود حتى الآن.
فوضى الشوارع واتهامات لقوات الأمنمع انهيار مؤسسات الدولة، تحولت الشوارع إلى ساحات فوضى.
في الأيام الأولى، اندلعت موجة نهب واسعة استهدفت المتاجر والمستودعات في لا جوايرا وكومانا، مما دفع الحكومة إلى إرسال الجيش لفرض النظام.
لكن سرعان ما تحولت قوات الأمن إلى مصدر جديد للغضب الشعبي.
انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر جنوداً من الحرس الوطني وهم ينهبون محتويات المنازل والمتاجر المدمرة، بينما صور أخرى تظهر عناصر أمن في حالة سكر خلال ساعات عملهم.
وقد تم اعتقال أربعة من عناصر الأمن بعد تداول فيديوهات تظهرهم وهم يحاولون سرقة أموال من مناطق منكوبة.
يقول أحد السكان في كاراباليدا، إحدى أكثر المناطق تضرراً: " الحكومة أدارت لنا ظهورها.
مات كثيرون بسبب عجزهم وعدم تعاونهم.
يجب أن يضعوا الجنود بالمعاول بدلاً من البنادق"مخيمات النازحين: بؤر لانتشار الأمراضيقدر أن أكثر من 15,800 شخص نزحوا رسمياً بينما تشير تقديرات مستقلة إلى أعداد أكبر بكثير.
يقيم هؤلاء في حوالي 25 مخيماً مؤقتاً، أو في سياراتهم، أو في العراء في الحدائق العامة، وسط نقص حاد في المياه النظيفة والمرافق الصحية.
تحذر منظمة الصحة العالمية من أن غياب دورات المياه والاستحمام والصابون يجعل النازحين عرضة لأمراض يمكن الوقاية منها، مثل الحصبة (نظراً لانخفاض معدلات التطعيم في البلاد)، بالإضافة إلى الأمراض المنقولة بالمياه والنواقل مثل الدينجى والملاريا والحمى الصفراء.
ويصف مسؤولو الإغاثة الوضع قائلين إن المجتمعات المنكوبة تحولت إلى" أطباق بتري للأمراض"، مع تراكم 1.
2 مليون طن من الأنقاض التي يصعب إدارتها في ظل الحر الشديد.
انتقادات حادة للحكومة واستجابة دفاعيةواجهت الحكومة الفنزويلية موجة من الانتقادات بسبب بطء الاستجابة وغياب التنسيق في الأيام الأولى للكارثة.
واتهم مواطنون السلطات بعدم توفير المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض، بينما كان الجنود يقفون مكتوفي الأيدي.
ورداً على ذلك، دافعت الرئيسة رودريجيز عن أداء الحكومة في مؤتمر صحفي، مؤكدة أن الاستجابة كانت فورية، وأن فرق الإنقاذ الدولية وصلت بعد ثلاث ساعات فقط من الزلزال.
وأرجعت التأخير إلى صعوبات الوصول بسبب الطرق المسدودة بالأنقاض.
واتهمت" معامل إعلامية بتنظيم حملة لتضخيم الفوضى وإعاقة جهود الإنقاذ.
أعلنت رودريجيز أيضاً الحداد الوطني سبعة أيام، وأكدت أن الأولوية تبقى لإنقاذ الأرواح.
لكن التصريحات لم توقف موجة الغضب الشعبي، في بلد فقد فيه المواطنون الثقة بمؤسسات الدولة حتى في أحلك الظروف.
خسائر مادية تتجاوز 6.
7 مليار دولارتقدر الأضرار المادية المباشرة بأكثر من 6.
7 مليار دولار، وهو مبلغ هائل لا تستطيع فنزويلا تغطيته بمفردها في ظل أزمتها الاقتصادية الخانقة.
ورغم وصول مساعدات أمريكية بقيمة 300 مليون دولار وفرق إنقاذ من 33 دولة، إلا أن الاحتياجات تفوق بكثير القدرات المتاحة، خاصة وأن نحو 59 ألف مبنى تضرر أو دُمر بالكامل.
بالنسبة للناجين الذين فقدوا منازلهم وأحباءهم، فإن المستقبل يبدو قاتماً.
يعيشون اليوم في خيام تعج بالأمراض، بينما تتصاعد أصوات الغضب في الشوارع ضد حكومة يتهمونها بالتخلي عنهم في أشد ساعاتهم احتياجاً.
إنها ليست مجرد كارثة طبيعية؛ بل انهيار إنساني متكامل في بلد كان يعاني أصلاً من أزمة وجودية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك