نواكشوط – «القدس العربي»: تحولت جلسة الاستئناف في قضية النائبتين المعارضتين مريم الشيخ جينغ وقامو عاشور إلى مواجهة قانونية وسياسية تجاوزت حدود الاتهامات الأصلية، بعدما اختارت هيئة الدفاع الانسحاب من قاعة المحكمة، معلنة أن استمرار المحاكمة قبل رفع الحصانة البرلمانية «يفتقد إلى السند الدستوري»، في خطوة أعادت الجدل حول حدود الحصانة البرلمانية واستقلال القضاء في واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام في موريتانيا.
ولم تنته جلسة الخميس بحسم قضائي، بل بقرار المحكمة حجز الملف للمداولة وتحديد الأربعاء المقبل موعداً للنطق بالحكم، بينما بدا أن القضية انتقلت من النقاش حول التهم المنسوبة إلى النائبتين إلى نقاش أوسع يتعلق بشرعية المسطرة القضائية نفسها.
وأعلنت هيئة الدفاع، خلال مؤتمر صحفي الجمعة، عن مقاطعتها لجلسات المحاكمة، انسجاماً مع موقف موكلتيها الرافض لمناقشة الوقائع قبل استكمال إجراءات رفع الحصانة البرلمانية وفق ما تعتبره مقتضيات الدستور والقانون.
وقال عضو هيئة الدفاع المحامي إسحاق أحمد مسكه إن النيابة العامة شددت، خلال مرحلة الاستئناف، طلباتها العقابية مقارنة بالحكم الابتدائي، إذ طالبت بالسجن النافذ خمس سنوات مع حرمان النائبتين من حقوقهما المدنية والسياسية، بينما كان الحكم الابتدائي قد قضى بسجنهما أربع سنوات نافذة.
وركز الدفاع في مرافعته على الدفع ببطلان جميع الإجراءات، مستنداً إلى المادة 50 من الدستور، والمادة 85 من النظام الداخلي للبرلمان، إضافة إلى أحكام قانون الإجراءات الجنائية المنظمة لحالات التلبس، معتبراً أن الوقائع المنسوبة إلى النائبتين لا تستوفي الشروط القانونية التي تسمح بتطبيق هذه المسطرة الاستثنائية.
وذهبت هيئة الدفاع إلى أن الجرائم السيبرانية، بحكم طبيعتها التقنية وتعقيد وسائل إثباتها، تستوجب إجراء تحقيق قضائي كامل قبل الإحالة إلى المحكمة، وهو ما قالت إنه يتناقض مع اعتماد مسطرة التلبس في هذه القضية.
كما سجلت الهيئة اعتراضها على ظروف اعتقال موكلتيها، مؤكدة أن النيابة العامة لم تقدم، بحسب وصفها، ما يفند الحجج القانونية المتعلقة ببطلان الإجراءات، بينما قررت المحكمة ضم هذه الدفوع إلى الموضوع والفصل فيها ضمن الحكم النهائي، وهو القرار الذي اعتبره الدفاع سبباً مباشراً للانسحاب من الجلسة.
ويرى محامو النائبتين أن المحكمة كان ينبغي أن تفصل أولاً في الدفوع الشكلية المتعلقة بشرعية المحاكمة قبل الانتقال إلى مناقشة جوهر القضية، معتبرين أن تجاهل هذا الترتيب يمس بحقوق الدفاع ويؤثر في سلامة الإجراءات.
ولم يقتصر الجدل على الجانب القانوني، إذ حضرت الأبعاد الإنسانية بقوة داخل قاعة المحكمة، بعدما ظهر رضيع النائبة مريم الشيخ جينغ إلى جانب والدته داخل قفص الاتهام طوال الجلسة، في مشهد انتشر على نطاق واسع وأثار تعليقات متباينة على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، أعاد الوضع الصحي للنائبة قامو عاشور القضية إلى دائرة الاهتمام، بعدما كشفت أسرتها أنها خضعت لعملية قسطرة قلبية داخل مركز أمراض القلب في ضاحية نواكشوط الشمالية، دون إبلاغ الأسرة أو فريق الدفاع مسبقاً.
وقالت شقيقة النائبة، جمال عاشور، إن الأسرة علمت بالعملية من خلال اتصال هاتفي أجرته معها شقيقتها بعد إجرائها، معربة عن استغرابها من عدم إشعار العائلة أو المحامين بالإجراء الطبي، رغم حساسية الوضع الصحي للنائبة.
وكان فريق الدفاع قد طالب المحكمة بأخذ الحالة الصحية لموكلته بعين الاعتبار، مشيراً إلى أن خضوعها لعملية قسطرة يستوجب متابعة طبية خاصة أثناء فترة احتجازها.
وتعود القضية إلى أيار/مايو الماضي، عندما أصدرت المحكمة الابتدائية حكماً بالسجن أربع سنوات نافذة بحق النائبتين، بعد إدانتهما بتهم شملت «المساس بالرموز الوطنية عبر وسائل التواصل الرقمي، وإصدار وتوزيع عبارات عنصرية بقصد الإضرار بالسلم الأهلي واللحمة الاجتماعية، والتهديد والافتراء، والدعوة إلى التجمهر بهدف الإخلال بالأمن العمومي، والسب والشتم، والتحريض على العنف».
وأثار الحكم منذ صدوره ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية، حيث اعتبرته شخصيات معارضة ومنظمات حقوقية مؤشراً على تضييق متزايد على حرية التعبير، فيما تمسكت السلطات بمسار القضاء واستقلاليته، مؤكدة أن القضية تتعلق بتطبيق القانون على أفعال تجرمها النصوص النافذة.
ويأتي تطور الملف في وقت تشهد فيه موريتانيا نقاشاً متصاعداً حول العلاقة بين الحصانة البرلمانية والمسؤولية الجنائية، وحدود الملاحقة القضائية للنواب أثناء ممارستهم لمهامهم، وهي قضايا تكتسب حساسية خاصة مع اقتراب المحكمة من إصدار حكمها النهائي.
وبانتظار جلسة الأربعاء المقبل، تبدو القضية مرشحة لأن تتجاوز آثارها مصير النائبتين، لتتحول إلى محطة مفصلية في الجدل الدستوري والقانوني حول ضمانات المحاكمة العادلة، وحدود الحصانة البرلمانية، ومدى قدرة المؤسسات الموريتانية على إدارة القضايا ذات الطابع السياسي ضمن توازن دقيق بين مقتضيات سيادة القانون واحترام الضمانات الدستورية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك