ثبت التجارب التاريخية أن الحروب لا تنتهي دائما عند حدود نتائج المعاركبل أن أغلبها يُحسم على طاولة المفاوضات وبعيدا عن ساحات القتال.
وكثيرا ما عجزت أطراف عن تحقيق أهدافها على الميدان فبحثت في المفاوضات عن فرصة للحصول على تنازلات من الطرف الآخر الذي قد يخسر مكاسبه الميدانية إذا لم يُحسن إدارة المرحلة السياسية التي تعقب المواجهة العسكرية.
وفي الحالة اللبنانية، يُثار نقاش واسع حول ما إذا كانت المفاوضات قد أفضت إلى منح الكيان الصهيوني مكاسب لم يستطع تحقيقها خلال المواجهة العسكرية.
والسبب في ذلك يعود بحسب البعض إلى سوء إدارة المفاوضات التي أدت إلى نتائج تتجاوز ما فرضته موازين القوى في الميدان.
لقد أظهرت المواجهات العسكرية الأخيرة أن جيش الكيان الصهيوني، رغم تفوقه التكنولوجي والاستخباراتي والجوي، واجه تحديات كبيرة في تحقيق أهدافه.
فقد اتسمت المعارك بدرجة عالية من التعقيد، وبرزت قدرة المقاومة اللبنانية على الاستمرار في القتال وإلحاق خسائر واستنزاف القوات الإسرائيلية، الأمر الذي جعل تحقيق نصر عسكري حاسم لجيش الكيان أمرا بالغ الصعوبة.
وفي هذه الحالة، كان من المفروض أن تتحول قدرة المقاومة على الصمود إلى ورقة سياسية لا تقل أهمية عن كونها إنجازا عسكريا ميدانيا.
فالصمود لا يُقاس فقط بعدد الأيام التي تستمر فيها المواجهة، وإنما أيضا بقدرته على تحسين الموقع التفاوضي للدولة أو للطرف الذي يمثل الجهة الصامدة، فإذا لم يُحسن المفاوض استغلال هذه الورقة ذهبت هباءا وفقدت قيمتها وأصبحت بلا معنى.
وبالتالي فإن امتلاك أوراق القوة شيء، والقدرة على استثمارها الإستثمار الأمثل شيء آخر.
فالتفاوض بالنهاية ليس مجرد لقاءات ديبلوماسية، وإنما هو عملية معقدة تقوم على قراءة دقيقة لموازين القوى وورقات الضغط المتوفرة، وتحديد الأهداف، وإدارة الوقت، مع القدرة على ربط أي تنازل بمقابل واضح ومكاسب ملموسة.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الجانب اللبناني لم يُحسن، في بعض المحطات، استثمار عناصر القوة التي أفرزتها المواجهة العسكرية.
فبدلا من تحويل الصمود الميداني إلى رصيد تفاوضي يعزز الحقوق اللبنانية، بدا أن بعض المواقف التفاوضية، وبعيدا عن إتهامات الخيانة والعمالة، اتسمت بالتسرع أو بضعف التنسيق أو بعدم الاستفادة الكاملة من الضغوط التي كانت يواجهها الكيان الصهيوني على المستويين العسكري والدولي.
إن أي مفاوضات ناجحة يجب أن تنطلق من مبدأ بسيط، وهو أن نتائج الميدان تُترجم إلى مكاسب سياسية، لا أن تُفرغ من مضمونها عبر تقديم تنازلات مجانية.
فالهدف من الصمود العسكري ليس الصمود في حد ذاته، وإنما تحسين شروط التسوية السياسية عندما تحين لحظة التفاوض.
كما أن نجاح أي وفد تفاوضي لا يرتبط فقط بالخبرة القانونية أو الديبلوماسية، بل أيضا بوجود رؤية وطنية موحدة تحدد الخطوط الحمراء، وتمنع التفريط في عناصر القوة المتاحة.
فالمفاوض الذي يدرك قيمة الأوراق التي يمتلكها يكون أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية، وأكثر استعدادا لرفض أي اتفاق لا يحقق الحد الأدنى من المصالح الوطنية.
لقد سعى الكيان الصهيوني كما يجب إلى استثمار المفاوضات مع لبنان لتحقيق أهدافه الاستراتيجية بأقل كلفة ممكنة، منتهجا سلوكا سياسيا مفاده أنه إذا تعذر تحقيق تلك الأهداف عسكريا، يصبح المسار التفاوضي وسيلة بديلة لمحاولة الوصول إلى نتائج مشابهة، ولو بصورة تدريجية أو غير مباشرة.
وهذا سلوك معروف في العلاقات الدولية، حيث تتكامل الأدوات العسكرية والسياسية والدبلوماسية لتحقيق المصالح.
وبالتالي فإن نجاح لبنان في أي مفاوضات مستقبلية لا يتوقف فقط على ما تحقق في ساحة المواجهة، بل يعتمد أيضاً على امتلاك إستراتيجية تفاوضية متماسكة، تستثمر عناصر القوة كافة، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو قانونية أو دبلوماسية.
فالحقوق لا تُصان بمجرد امتلاك أوراق القوة، وإنما بحسن استخدامها في اللحظة المناسبة.
إن التجارب الدولية تؤكد على أن الحروب تُكسب بالأداء الجيد في المعارك، لكن المفاوضات هي التي تكتب النتائج النهائية.
وقد يحدث أن يخسر طرف منتصر جزءا من إنجازاته إذا أدار التفاوض بضعف، كما قد ينجح طرف أخفق عسكريا في تعويض جزء من خسائره عبر الديبلوماسية.
لذلك، فإن معيار النجاح في الحالة اللبنانية لا يقف عند نهاية العمليات العسكرية، بل يمتد إلى القدرة على ترجمة التضحيات إلى مكاسب سياسية تحفظ السيادة والمصالح الوطنية وتمنع أن تتحول طاولة المفاوضات إلى ساحة يخسر فيها لبنان ما لم يخسره في ميدان القتال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك