بينما تلملم طهران أوراق المرحلة الانتقالية الأكثر حساسية في تاريخها بعد رحيلالمرشد الأعلى علي خامنئي، وتستعد واشنطن لإعادة ترتيب أوراق نفوذها في منطقة أنهكتها الحروب المفتوحة، لا تزال طاولة المفاوضات في الدوحة تمثل" الخيط الرفيع" الذي يمنع انزلاق المنطقة نحو المجهول.
ولا يمكن قراءة جولة الدوحة بمعزل عن السياق الميداني المتفجر.
فالمحادثات التي توصف بـ" الإيجابية" من الطرفين، تصطدم بواقع شائك وصعب حيث لا تزال الحرب الصهيونية مشتعلة في قطاع غزة، وتستمر التوترات الأمنية في مضيق هرمز الذي تحول إلى ساحة للصراع الأمريكي الإيراني ويستمر نزيف الدم في لبنان.
وفي خضم كل ذلك يبدو ان مضيق هرمز تحول الى ساحة لمعركة جيوسياسية كبرى، حيث تدرك واشنطن أن السيطرة على هرمز تعني السيطرة على شريان الطاقة العالمي، بينما تعتبره طهران ورقة الضغط الأخيرة التي لا تملك ترف التنازل عنها قبل ضمان رفع الحصار.
ومع دخول مذكرة التفاهم يومها الخامس عشر، وسط أجواء من الريبة المتبادلة، بات المشهد الإقليمي يسير على خط رفيع بين الدبلوماسية والتعنت.
ففي حين يعمل الوسطاء القطريون والباكستانيون على تثبيت دعائم الحوار، تصطدم هذه المساعي بجدار من التصريحات المتناقضة.
إذ يؤكد المتحدث باسم الجيش الإيراني على استمرار" حالة الحرب" وتعزيز القدرات الدفاعية، بالتزامن مع نفي رئيس البرلمان الإيراني لأي سماح بتفتيش المنشآت النووية المتضررة، في إشارة واضحة إلى أن طهران لا تزال تضع" الخطوط الحمراء" السيادية فوق أي التزام دبلوماسي.
وفي بيروت، تزداد حدة المأزق مع تصريح رئيس الوزراء نواف سلام برفض الصدام المسلح، مما يضع الحكومة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع تعقيدات" اتفاق الإطار" المبرم مع إسرائيل، في وقت تترقب فيه العواصم تحذيرات القيادة العسكرية الإيرانية من أي تحرك أمريكي-إسرائيلي استباقي قبيل مراسم تشييع المرشد الراحل، وهو ما يعكس حقيقة أن استقرار المنطقة لا يزال رهينة لضبط النفس الهش في الأيام القليلة القادمة.
ويبدو ان النظام الإيراني، بقيادة مجتبى خامنئي، يواجه ضغوطا مزدوجة: داخلية تتمثل في أزمة اقتصادية خانقة، وخارجية تتمثل في ضرورة الحفاظ على تماسك وهيبة" محور المقاومة" وسط استنزاف عسكري طويل ضد الصهاينة.
في المقابل، يبدو أن إدارة ترامب تنتهج" دبلوماسية واقعية" تركز على أمن الملاحة وتحجيم التهديدات، مع الاحتفاظ بهامش ضيق للحلول الاقتصادية كالإفراج عن الأموال المجمدة مقابل التزامات أمنية ملموسة.
ومع تحديد 18 جويلية موعدا للجولة القادمة، يبدو أن المفاوضات دخلت مرحلة" المقايضة الصعبة".
وتتأرجح السيناريوهات المطروحة بين مسارين أولهما: مسار التسوية التكتيكية، وهو الأكثر ترجيحا حيث يكتفي الطرفان باتفاقات جزئية على غرار تثبيت الهدوء في هرمز مقابل إغاثة إنسانية ورفع تدريجي للعقوبات وذلك لتجنب الانفجار الشامل الذي لا يتحمله أي منهما حاليا.
او انتهاج مسار التصدع الكبير، وذلك في حال فشلت القنوات الخلفية على غرار قناة الاتصال التي أعلن عنها كاظم غريب آبادي، فقد نكون أمام انهيار كامل لمذكرة التفاهم، مما يعني عودة العمليات العسكرية إلى المربع الأول، وهو ما سيعني بالضرورة اشتعال جبهات إضافية قد تمتد لتشمل دولا أخرى في الخليج.
ما يحصل اليوم سواء عبر مفاوضات الدوحة او سويسرا او اسلام آباد سابقا هي محاولات أطراف الصراع لإدارة احدى أكبر الازمات في تاريخ الشرق الأوسط والسؤال الجوهري الذي ستجيب عنه الأيام القادمة ليس حول البنود التقنية أو التفاهمات، بل حول قدرة مراكز القرار في واشنطن وطهران على تحويل" اتفاق الضرورة" إلى" اتفاق استقرار".
فدروس التاريخ في الشرق الأوسط تعلمنا بأن الدبلوماسية التي لا تستند إلى إرادة سياسية حقيقية تظل مجرد استراحة محارب قبل الجولة التالية.
الأزمة بالأرقام الخسائر البشرية والمادية في قطاع غزة الشهداء أكثر من 73,066* شهيداً المصابون أكثر من 173,514 مصاباً.
المفقودون أكثر من 9,500 شخص لا يزالون في عداد المفقودين.
جولة المفاوضات القادمة بين طهران وواشنطن في الدوحة محددة بتاريخ 18 جويلية 2026.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك