نهاية هذا الأسبوع ينطلق فصل الصيف، كزمن اجتماعي بالنسبة للعائلات التونسيةالتي لا تنظر إلى الصيف كفصل مناخي أو فلكي أو فلاحي، بل كموسم اجتماعي يشغل وظائف ورموزا متعددة تعيد إنتاج أنماط الاستهلاك والحياة معا، خاصة بالنسبة للطبقة الوسطى، التي تواجه اليوم ضغطا ماليا ومعيشيا متصاعدا يهدد وجودها.
هذه الطبقة التي ينطق باسمها الكثيرون، لكن دون تحديد سماتها ولا خصائصها ولا شروط الانتساب إليها، هل هي الدخل كما يعرفه البنك الدولي، أم هي نمط العيش والإنفاق كما يحدده علماء الاجتماع؟ طبقة لا يمكن اليوم تحديد حدودها ولا حجمها ولا الخصائص التي تجعلها كيانا قابلا للقياس ومراقبة سلوكه الاجتماعي والاستهلاكي، إلخ.
هذه الطبقة الوسطى التونسية، في انتظار أن تحدد ملامحها من قبل مؤسسات الإحصاء الرسمية أو من قبل الدراسات والبحوث الأكاديمية، قد يسمح فصل الصيف، كموسم اجتماعي يتسم بارتفاع الطلب والاستهلاك، بتقديم ملامح أولى عنها وعن وضعها المالي الضاغط.
وهذا انطلاقا من أن الطبقة الوسطى هي التي تتمتع بدخل مستقر يسمح لها بتلبية حاجاتها الأساسية، والإنفاق على الترفيه والرفاهية والادخار والاستثمار، أي طبقة يمكنها أن تحمي مستوى عيشها وتضمن استقراره دون أن تضطر إلى التخلي عن الرفاه والترفيه والمستقبل.
فالأسر التونسية التي اعتادت أن تعرف نفسها، أو أن تعرف على أنها من الطبقة الوسطى، ستكون اليوم أمام تحدي توفير نفقات موسم اجتماعي حل، وحلت معه مناسبات احتفالية وثقافية وسياحية، وأحداث هامة على المستوى الفردي أو الأسري أو الجماعي، تفرض تغيير أنماط الاستهلاك وإعادة توجيه النفقات.
هنا، قدرة الأسر على أن تنجو من هذا الموسم، بما يفرضه من نمط عيش وإنفاق مخصص للمناسبات الاجتماعية والترفيه والرفاه، بما في ذلك نفقات الإجازة الصيفية، قد تكون مؤشرا أوليا يساعدنا في قياس أثر الأزمة الاقتصادية عليها.
والقياس هنا يهدف إلى تحديد إن كان تآكل الطبقة الوسطى التونسية حقيقة اقتصادية واجتماعية، أم هو انطباع خاطئ ساعدت على ترسيخه مؤشرات رسمية حذرت منذ بداية السنة من انتقال الاقتصاد التونسي إلى اقتصاد الضرورة، حيث كشفت أن ارتفاع الطلب الداخلي مرتبط بارتفاع الطلب على السلع الأساسية، وأن أكثر من نصف نفقات الأسر التونسية مخصصة للأكل والسكن والطاقة والنقل، أي إن نصف دخلها موجه لتغطية حاجياتها الأساسية، دون احتساب نفقات التعليم والصحة والثياب.
إذ، بالاستناد إلى نتائج المسح الوطني للإنفاق والاستهلاك الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء سنة 2022، وما قدمه من مؤشرات يمكن التأسيس عليها لفهم المشهد، أولها أن 53% من ميزانية الأسر التونسية يقع إنفاقها على الغذاء والسكن والطاقة، حيث تستحوذ نفقات الغذاء والأكل على حوالي 29%، في حين يوجه ربع موارد الأسر إلى السكن والطاقة.
وهو ما يخبرنا بأن نصف الإنفاق موجه إلى الضروريات وأساسيات العيش، وأن 10% من موارد الأسر التونسية مخصصة للنقل.
وخلاصة هذا أننا أمام إنفاق مرتفع على الأساسيات يستنزف جل مداخيل الأسر التونسية ومواردها، ولعل مؤشرا إضافيا قادر على رسم هذه الصورة، وهو أن متوسط إنفاق الأسر على الثقافة والترفيه لا يتجاوز 0.
8% من ميزانيتها، وهذا كفيل باستنتاج ضعف الموارد المخصصة لتحسين مستوى العيش ونمطه من قبل الأسر التونسية، التي بات إنفاقها يكشف أنها دخلت مرحلة إدارة اليومي من أجل النجاة، وأنها أعادت ترتيب أولويات الإنفاق في اتجاه توفير الضروريات، متخلية عن فرصتها في بناء الثروة وتحسين مستوى عيشها.
فالسمة الثانية للطبقة المتوسطة قدرتها على أن تدخر جزءا من مدخولها، وهذا تراجع بنسق مخيف منذ سنة 2019، حيث تراجعت نسبة ادخار الأسر من 9.
7% إلى 2.
5% خلال خمس سنوات، وهو بمفرده مؤشر كمي يفيد بتآكل الطبقة الوسطى، التي لم تعد تستطيع تحقيق فائض مالي يسمح بالادخار، كمدخل أساسي ووحيد أمامها لتكوين الأصول والولوج إلى التملك والاستثمار في رأس مالها البشري.
هذه الصورة ترسمها المؤشرات الرسمية، التي تتضمن الكثير من الأرقام والإحصائيات والنسب، وتفيد بأن إنفاق الأسر التونسية خلال السنوات الفارطة شهد مراجعة وإعادة توجيه، كما أن الطبقة الوسطى لم تعد قادرة على إنتاج فائض مالي يسمح لها بتحسين مستوى عيشها أو الادخار.
لكن قد تكون الصورة الواقعية التي ينتجها معيشنا اليومي هي الأصدق والأكثر تعبيرا من الأرقام التي قد يتوه البعض في تفاصيلها وتشعباتها، والمواسم الاجتماعية، من أعياد دينية أو مناسبات اجتماعية وعطل، قد تساعدنا على إدراك الصورة.
فهذه المناسبات، التي كانت تاريخيا، وخاصة فصل الصيف، مواسم اقتصادية استهلاكية بامتياز، مواسم الطبقة الوسطى، قد تكون تواجه اليوم ما واجهته من قبل من صعوبات مالية في توفير نفقات، أو ثمن، الأضحية.
موسم قد تخسر فيه الطبقة الوسطى معركة حماية نمط حياة ومستوى معيشي تعودت عليه لسنين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك