صحوتُ من النوم على صوت رسالة عبر واتساب" تفجير قرب القصر العدلي"، بهذه الكلمات بدأت زوجة المحامي محمود علي شهاب، الذي ارتقى في التفجير الإرهابي الذي استهدف مقهى يرتاده المحامون قرب القصر العدلي بدمشق، سرد ما حدث معها البارحة.
أكثر اللحظات إيلامًا أن يصحو أحد، أي أحد، على خبر فقدان حبيب، كما هو حال السيدة التي تقول إنها اتصلت بزوجها عند قراءتها الرسالة" أكثر من 1500 مرة، ولم يجب"، مضيفة لموقع تلفزيون سوريا: " بعد هذه المحاولات ردّ صوت غريب ليخبرني أن زوجي قد أصيب في التفجير".
بصعوبة بالغة، كانت السيدة تسرق من بكائها ثوانيَ معدودة لتقول: " تيتموا البنات، ما ضل حدا إلهم"، ثم تضيف أنها قالت للرجل الذي أجابها من هاتف زوجها: " أبوس إيدك، بس لا تقول مات"، ليجيبها أن زوجها مصاب في مشفى المجتهد.
في أروقة المشفى، كانت السيدة تحاول معرفة أي خبر عن زوجها، وعلى مدى ساعة ونصف كان أملها الوحيد -الذي لم يتحقق- أن يكون زوجها حيّا، لكن" إذا قضى الله أمرًا فإنه لا يُرد"، ليأتيها الخبر الصاعق: " زوجك توفى".
تفجير مقهى المشيرية ليس مجرد حدث إرهابي استهدف سوريا لإيصال رسائل سياسية فحسب، بل هو جريمة استهدفت قلوب أسر 10 شهداء و21 مصابًا، لهم أبناء وأمهات وزوجات ومحبون سيقضون بقية أعمارهم يعيشون ألم الحزن يوميا.
لم تكن دموع المحامية المتمرنة ريما وهبة أقل من دموع زوجة المحامي محمود شهاب، إذ كانت تعتبره أستاذا وأبا ومعلما، وكان من الممكن أن تصبح شريكة له في القدر المحتوم، بعدما خرجا من القصر العدلي برفقة موكل لهما، إلا أنها، وعلى غير عادتها اليومية، لم تدخل إلى المقهى لشرب القهوة، إذ حال تعبها دون ذلك، ولم تكد تصل إلى المنزل حتى جاءها الخبر الصاعق: " حدث تفجير في المقهى، والأستاذ محمود من بين الضحايا".
تقول المحامية ريما لموقع تلفزيون سوريا، إنها كانت ستصبح هي الخبر الذي يتلقاه الناس، إلا أن" أمر الله قدرا مقدورا" مضيفة أن هذا التفجير سيبقى جرحا في قلب زوجة الشهيد وبناته الأربع، ولن يمحوه الزمن.
أربع فتيات، أكبرهن 14 سنة، وأصغرهن لم تُتم الرابعة من عمرها بعد، ولن تتذكر من ملامح والدها شيئًا عندما تكبر، لم يعد لهن معيل، وحالهن كحال أسر باقي الضحايا الذين توزعوا على خمس محافظات سورية، والتي وإن اختلفت تفاصيل حياتهم، فإن مصابهم واحد ووجعهم مشترك.
في حادثة مقهى المشيرية، لكلٍّ زاويته التي ينظر منها إلى ما جرى، واختصاصه الذي يرى الحادثة وفقه، فوزارة الداخلية، أوضحت أمس أن دوريات قوى الأمن الداخلي وفرق الإسعاف توجهت إلى موقع الحادث فور ورود البلاغ، وعملت على إخلاء المصابين وتقديم الإسعافات اللازمة، قبل فرض طوق أمني في محيط الموقع لضمان سلامة المواطنين، ما زالت تواصل التحقيق لكشف الجناة الذين ارتكبوا هذه الجريمة.
ووزارة الصحة، أكدت أن الحصيلة الرسمية للتفجير بلغت 10 قتلى و21 مصابًا، موضحة أن المصابين نُقلوا إلى عدد من مستشفيات العاصمة، بينها دمشق، وابن النفيس، والهلال، والمواساة، إضافة إلى مستشفى خاص في باب شرقي، وما زالت تتابع رعاية المصابين وإصدار الحصيلة الرسمية للضحايا.
أما وزارة العدل، التي تُعد المستهدف الرئيس من هذا التفجير، فقد دانت في وقت سابق، " بأشد العبارات التفجير الإرهابي" الذي استهدف المدنيين في منطقة الحجاز بالقرب من القصر العدلي بدمشق، والذي أسفر عن مقتل عدد من الضحايا وإصابة آخرين، مؤكدة أن" هذه الأعمال الإجرامية لن تنجح في زعزعة الأمن والاستقرار، ولن تثني مؤسسات الدولة عن مواصلة أداء واجباتها في ترسيخ سيادة القانون وتحقيق العدالة، ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم وفق أحكام القانون".
الأردن، ومصر، وقطر، والعراق، وتركيا، والأمم المتحدة، وغيرها كثير من الدول، دانت هذا الفعل الذي وصف بالإجرامي، وكلٌّ دانه من الزاوية التي رآها تستحق الإدانة والتعاطف، إلا أن القاسم المشترك بين الجميع، وعلى رأسهم السوريون، كان الاتفاق على أن هذه الجريمة فعل جبان يتنافى مع جميع القيم الإنسانية والأخلاقية.
بعد حين من الزمن، ستُنسى هذه الحادثة، كما نُسيت حوادث كثيرة، من يتذكّر بشكل دائم زلزال 6 شباط المدمّر؟ أو كيماوي خان شيخون؟ أو مجزرة ساحة العاصي؟ أو مجزرة نهر قويق في حلب؟ أو ما جرى قرب الساعة بحمص؟ تلك أحداث تغيب عن الذاكرة، ولن يتذكرها إلا من تفرض عليه طبيعة عمله ذلك، أو من يستعيدها في مناسبات متباعدة، أما ذوو الضحايا، فلن ينسوها أبدا، إذ" لا يؤلم الجرح إلا من به ألم" وسيبقى جرح أهالي ضحايا تفجير مقهى المشيرية حاضرا تنكؤه كلُّ ذكرى، وكل زاوية في المنزل، وكل عبء كان معيلهم يتحمله عنهم، وكل مشكلة غاب من كان يحلها مبتسمًا، وكل ضمة ابن أو أخ أو زوج أو أب، فقدته أم أو أخت أو زوجة أو أبناء.
ولن يخفف من ألم الفقد، بحسب من تحدث إليهم موقع تلفزيون سوريا، سوى إجراءات حكومية، كيوم حداد رسمي، وإنشاء صندوق دعم لذوي الضحايا، وغيرها من الإجراءات المستدامة، وعلى رأسها القبض على الجناة ومحاسبتهم علنا في المكان الذي ارتكبوا فيه جريمتهم، في القصر العدلي بدمشق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك