هذه العبارة التي استهللت بنا إحدى قصائدي، وربما تكون عنوانا لمجموعة شعرية قادمة لم تأت مصادفة، بل كانت توصيفا عاما للحالة التي يعيشها كتاب قطاع غزة في خضم الحرب وما بعدها، وأقصد هنا في (ما بعدها) أن هدأ وطيسها قليلا؛ فالإبادة بظواهرها وأثرها لم تنته حتى هذه اللحظة.
ذكرنا في مواضع سابقة أن للحرب مفرداتها الخاصة ولغتها التي تلتف حول عنق الكاتب كما تلتف أفعى حول الفريسة، فكانت لغة الحرب تطوق إنتاجاتنا؛ فلا تسمح لنا بإخراج نص خارج هالة الحرب، فكلما حاولنا الكتابة بعيدا عن وطأته؛ جرنا اللاوعي نحو تلك الهوة؛ فنجد أنفسنا عالقين بغبارها ولغتها القاسية، هذه المعضلة واعذروا لي وصفي هذا؛ فنحن ـ بالتأكيد ـ لا بد أن ننغمس بمشكلات وقضايا مجتمعاتنا وتوصيف وتتبع وتوثيق الكوارث وأثرها على الحياة المعيشة؛ فهذه مسؤوليتنا ككتاب ومثقفين تجاه المكان الذي نعيش به، حتى ولو كانت هذه المسؤولية بدافع إنساني محض، ولكننا وفي ذات الوقت لنا أيضا اهتمامات انسانية وأدبية أخرى ومواضيع تأملية نحب أن نكتب فيها ونبدع في إنتاجها، ولا يمكننا أن نغفل عنها، فكما نكتب عن الحرب والموت والفقد والحزن، نريد أن نكتب أيضا عن الحب والغزل والفلسفة والتصوف وغيرها من المواضيع التي تتعلق بإنسانيتنا التي يحاول العالم تجريدنا منها وعدم تقبلنا إلا دونها؛ فلم يعد يرانا سوى بثوب الضحية الباكية التي لا تكتب إلا عن موتها و مراثيها، وهذا لعمري قد أثقل كاهلنا وجعلنا نحن أنفسنا لا نتقبل من ذواتنا سوى الكتابة عن الحرب؛ فكأننا لم نخلق إلا للبكاء والموت.
وهذا الأمر ظل مستمرا حتى بعد أن هدأت الحرب، بقيت مخيلاتنا لا تقوى على الانفلات من تلك الحالة التي تقوضنا، لم نعد قادرين على ممارسة الإبداع والتحرر من تلك الأغلال التي تخنق رقابنا؛ فظلت نصوصنا يلفها غبار الحرب ويعبق في أركانها بل ويسيطر عليها، وهذا تحديدا ما قصدته بعبارة" ما زال الغبار عالقا بي" فكتبت في هذا المعنى:ما زال يعرقل سيرها نحو الخلاصوبعيدا عن هذا، هناك ملاحظة أو ربما توضيح، صحيح أن فعل الكتابة إحدى مهامه التوثيق وإبراز الحقيقة ورصدها في طيات التاريخ، ولكن هناك أمر مهم وحساس بالنسبة لنا كشعراء؛ فنحن نكتب الشعر؛ لأنه ملاذنا الوحيد الذي نحتمي به من خلال جدار اللغة؛ ونخبئ ارتجافنا وقلقنا فيه، ولأنه هو وحده من استطاع أن يحمل حزننا دون شرط أو قيد، لذلك نحن مدينون له بالكثير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك