لا يدخل الجمهور في مسرحية" حبيبتي، رجعي ع التخت" مسرحاً، بل سريراً.
يجد الجمهور نفسه فجأة إزاء سرير أبيض كبير مغطى بشراشف كثيرة مرصوفة باعتباطية كما هي حال أي سرير زوجي.
تتحول الخشبة بأسرها إلى هذه المساحة الودودة الدافئة من شراشف بيضاء يتحلق الجمهور حولها ليصير هو الآخر جزءاً من المسرحية، جزءاً من السرير الزوجي.
يصبح الجمهور طرفاً في قصة الزوجين اللذين سيتغلغلان في عمق علاقتهما لمدة ساعة و10 دقائق ذات ليلة من ليالي بيروت المؤرقة ليكتشفا على حين غرة أن الحب رحل ولا بد من إيجاد طريقة لإرجاعه.
في ما يمكن أن نسميه بالمسرح الانغماسي (immersive theatre) يصبح الجمهور منغمساً في العرض جغرافياً وعاطفياً ومعنوياً.
فقصة البطلين ومشكلاتهما ليست غريبة عن أحد.
يشعر المتفرج وكأنه هو الآخر جالس على السرير يحاول حل معضلة هذا الثنائي الذي تستيقظ فيه المرأة على حقيقة فظة قائلة: " بطلت حبك".
جمل كثيرة تفاجئ الجمهور وتستحوذ على انتباهه وتمسك بحبل التشويق والكوميديا طوال العرض: " وجك غبي"، " إيديك سخيفين"، " بتزعجني".
تنجلي الأمور في هذا الموقف الغريب والدافئ والعدائي في الآن نفسه بصورة تصاعدية ومفاجئة وغير متوقعة.
يكتشف الجمهور بسرعة وعفوية طبيعة العلاقة التي تربط لين وجاد، هذا الثنائي الجميل المتزوج منذ 12 سنة، والذي يتحدث بحب عن هذه السنوات التي مرت وعن ثمرة هذا الزواج نينو ابن التسع سنوات، لكن الحب تسلل مغادراً العلاقة، كما يفعل دوماً، ليجد الثنائي نفسه عالقاً في دوامة أسئلة عميقة مطروحة بخفة وحميمية مرهفة وحنكة درامية: هل يرجع الحب؟ هل يرجع إلى التخت؟لكن الرياح لا تجري دوماً كما تشتهي السفن، فتستيقظ لين في وسط الليل وقد أدركت أنها لم تعد تحب زوجها وهي أعجز عن إيجاد طريقة لتعود فيها إلى مشاعرها الأولى وشغفها الأول.
تستيقظ لين وتوقظ زوجها ويروح الاثنان يحاولان فهم كيف انتهى الحب بينهما وسبب انتهائه وكيف يمكنهما استعادته.
وأكثر ما يلفت في هذا العرض هو الحوار السريع والخفيف والمضحك إلى أقسى الحدود الذي يدور بين الإثنين.
اختيار التعابير والكلمات بصورة ثاقبة يشكل بحد ذاته مصدر إضحاك، فقد ابتعد النص والأداء والإخراج عن القضايا القديمة والمووايل الرومانسية والمواعظ المعلوكة.
ابتعد العرض بمختلف مناحيه عن الابتذال في التقديم والتفاهة في الطرح.
جمل غير متوقعة فيها كثير من العفوية والصدق والحب، جمل يتلفظ بها أي شخصين متزوجين تثير الضحك من دون أن تطمس الحقيقة والواقع.
والجدير ذكره أنه على رغم أن الحب هرب من هذا الثنائي، فقد بقي الحوار قائماً بينهما على كثير من الاحترام والتقدير والرغبة في إعادة الوهج المفقود إلى العلاقة.
يبتعد النص عن أي نوع من الاستفزاز وإثارة الجدل والتجريح، فليس هذا الهدف منه.
لا كلمات مسيئة بصورة مفرطة، ولا استفزاز لغوي أو جسدي.
على العكس، فالغريب أنه على رغم وجود كلمة" التخت" في العنوان بكل ما تحمله من معانٍ وإيحاءات، لم يخدش النص الحياء العام بصورة فظة أو وقحة في أي موضع.
تختار لينا أبيض أن تدخل عامل العتمة في العرض في كل مرة يثار فيها موضوع محاولة استعادة الشغف الجسدي بين الزوج والزوجة.
لفتة أنيقة وعالية الفنية تختارها لينا أبيض وتُضفي على النص كثيراً من عناصر التشويق والكوميديا والرشاقة الدرامية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)تتعاضض العناصر المسرحية في هذا العرض لتمنح الجمهور كثيراً من الدفء والحميمية ولتعزز ارتباطه بمشكلة الثنائي لينا وجاد.
فالإضاءة مناسبة وتتغير بحسب حاجات النص والموسيقى بدورها مؤثرة ومنطقية بغيابها الطبيعي.
أما طبعاً فيبقى تحويل خشبة المسرح إلى سرير كبير الخيار الأكثر تأثيراً وجمالية.
بتحول السرير إلى حلبة صراع وجدال ونقاش بين المرأة وزوجها لإيجاد طريقة لإرجاع الحب إلى العلاقة، يصبح العنوان نوعاً من كناية فيها رمزية ومخاتلة للكلمات، فليس المقصود أن ترجع الحبيبة إلى التخت بل الحب كحالة روحية وفكرية وجسدية.
يغرق الجمهور في" حبيبتي، رجعي ع التخت" في فضاء علاقة لين وجاد الصادقة البعيدة من التجريح أو الإيذاء أو حتى القسوة في اختيار التعابير والجمل.
وتتجلى المتعة الكوميدية في محاولات الثنائي إيجاد حلول للعلاقة التي طغى عليها الملل والروتين.
والمحاولات كثيرة وجميلة ومضحكة، ففي مرة يحاول الاثنان إيجاد مواضيع مشتركة تثير اهتمامهما كليهما فيتحدثان عن همينغواي وتينيسي وميخائيل نعيمة.
في موضع آخر يحاولان الاتصال بصديقة لتذكرهما لماذا يحبان بعضهما ولماذا يليقان ببعضهما، من دون أن نذكر كذلك المحاولات التي تدور في العتمة، والتي يسمعها الجمهور من دون أن يراها، لكنه يتخيلها تماماً وهو ما يمنح العرض المزيد من الكوميديا والجذالة.
" حبيبتي، ارجعي ع التخت" مسرحية حقيقية تتناول مخاوف كل زوجين، تطرح أسئلة عفوية وتحاول الإجابة عنها بعفوية أكبر وغرابة أعمق.
مواقف غير متوقعة، حوار كوميدي خفيف مضحك، أداء ممثلين مبدعين صادقين ينقلان حقيقة المشاعر بفنية عالية وبابتعاد جميل ومشكور عن القضايا المعلوكة والأساليب المبتذلة التي قد يتوقعها الجمهور.
يقع المتفرج على كثير من الإضحاك والمصارحة في هذا العرض، على رغم مما قد يتوقعه من عنوان بهذه الجرأة.
لا تقع لينا أبيض في أي موضع من العرض في زلة مبتذلة ولا تعمد إلى التغيير في النص المقتبس بصورة تافهة أو ركيكة أو مستهلكة، على العكس، يقوم النص على تفاصيل مضحكة وعفوية وصادقة تجعل المسرحية مرآة حال أي زوجين يرغبان في" إرجاع الحب ع التخت".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك