تواجه الهيئات التنظيمية في أوروبا وبريطانيا تحدياً متزايداً يتمثل في الفجوة المتسعة بين التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي وبين قدرة القواعد المالية التقليدية على مواكبة هذا التحول.
وبينما تتسارع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بخاصة نماذج" الوكيل" القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة، تتزايد المخاوف من انعكاساتها على استقرار الأسواق المالية ونزاهتها.
ويؤكد الرئيس التنفيذي لهيئة السلوك المالي البريطانية نيكيل راتي أن دورة وضع القوانين التقليدية لم تعد مناسبة في عصر تتغير فيه التكنولوجيا خلال أسابيع أو أشهر.
وقال لـ" سي أن بي سي"، " الواقع هو أن بعض هذه التقنيات تتطور بسرعة كبيرة، لدرجة أن الأسلوب التقليدي في التنظيم لم يعد يعمل"، مضيفاً أن المطلوب هو التفكير في أدوات جديدة ونهج أكثر مرونة وتعاوناً مع الأسواق.
ويرى راتي أن الابتكار التكنولوجي يمثل فرصة مهمة للاقتصاد البريطاني، لا سيما في ما يتعلق بتحسين الإنتاجية ودعم النمو الاقتصادي، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة ألا تترك الأسواق عرضة لأخطار لا تستطيع الجهات الرقابية رصدها أو تقييمها بالكامل في الوقت المناسب.
وأضاف" لا نريد أن نقف في طريق تبني هذه التقنيات، لكن علينا أن نكون واضحين وشفافين في شأن أماكن وجود الأخطار".
وتأتي هذه التصريحات في وقت يتسع فيه استخدام الذكاء الاصطناعي داخل القطاع المالي، من تحليل البيانات إلى التداول وإدارة الأخطار، مع بدء دخول الأنظمة الأكثر تقدماً القادرة على اتخاذ قرارات شبه مستقلة من دون تدخل بشري مباشر.
وفي هذا السياق حذرت نائبة محافظ بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) سارة بريدن من أن الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي" الوكيل" قد يؤدي إلى تضخيم تقلبات الأسواق في فترات الاضطراب المالي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وأشارت إلى أن شركات التداول تستخدم حالياً هذه التقنيات في مهام منخفضة الأخطار مثل البحث، لكن ذلك قد يتغير بسرعة مع تطور التكنولوجيا.
ودعت إلى التفكير في أدوات رقابية جديدة، مثل" الضوابط الوقائية" أو ما يشبه" قواطع الدوائر" و" مفاتيح الإيقاف الطارئ"، والتي يمكن أن تحد أو توقف التداول على مستوى السوق بالكامل في حال تسببت نماذج الذكاء الاصطناعي في اضطرابات خطرة أو انهيارات مفاجئة.
على الجانب الأوروبي أقرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي أدوات رقابية جديدة بأن الذكاء الاصطناعي يمثل مصدراً مهماً لزيادة الإنتاجية والنمو، لكنها في الوقت نفسه حذرت من أنه يشكل" مخاطرة كبيرة" على الأمن السيبراني واستقرار الأنظمة المالية.
وأشارت إلى أن سرعة تطور النماذج الذكية تفوق أحياناً قدرة أنظمة الدفاع والتمويل المخصص للحماية من الهجمات السيبرانية.
أوروبا متأخرة عن أميركا والصينوفي حين تتزايد هذه التحذيرات، يعترف مسؤولون أوروبيون بأن القارة لا تزال متأخرة في سباق الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مقارنة بالولايات المتحدة والصين.
وقال نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي بوريس فوجتشيتش إن أوروبا في حاجة إلى تطوير قدراتها الخاصة في هذا المجال، مؤكداً أن" قضايا السيادة الرقمية أصبحت جزءاً أساساً من النقاش".
وأضاف أن أوروبا نجحت تاريخياً في التكيف مع موجات التكنولوجيا الجديدة ورفع الإنتاجية، لكنها" لم تكن دائماً في موقع الريادة أو على خط الابتكار الأول".
وتعكس هذه التصريحات حالاً من التوازن الدقيق الذي تحاول السلطات المالية تحقيقه، أي الاستفادة من الفرص الاقتصادية الهائلة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، مقابل الحد من أخطاره المتزايدة على الاستقرار المالي العالمي.
ومع تسارع وتيرة التطور يبدو أن المعركة بين الابتكار والتنظيم ستظل مفتوحة على احتمالات واسعة خلال الأعوام المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك