آلت قضية الشبان الأربعة الذين فقدوا منذ 18 يوماً خلال توجههم إلى مناطق حدودية في جنوب لبنان، كانت عرضة للحرب المباشرة، وبعد إعلان مبدئي عن وقف لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، إلى نهاية مأسوية، إذ عثر الجيش اللبناني برفقة عناصر من الهيئة الصحية الإسلامية أمس الجمعة على أشلاء متحللة في وادي السلوقي (القطاع الأوسط) قرب دراجتين ناريتين مدمرتين، وجريح في بيت مجاور يدعى محمد علي حسن الذي أكد على رغم إصابته البالغة وبقائه ينزف طوال هذه المدة، أنه كان من ضمن هذه المجموعة عندما استهدفتهم مسيّرات إسرائيلية في الوادي بينما كانوا يقصدون بلدة عيترون.
وكان كل من محمد علي حسن (عيترون- بنت جبيل) وهادي كمال الرقة (الشهابية- صور) وجواد شادي بزي (بنت جبيل) وعلي موسى قشمر (دير كيفا- صور) فقدوا بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار الإثنين في الـ15 من يونيو (حزيران) الماضي أثناء توجههم إلى قرى جنوبية حدودية كانت مسرحاً لعمليات عسكرية وحربية، مروراً بصفد البطيخ وبرعشيت نحو وادي السلوقي، مما دفع عائلاتهم إلى تنفيذ اعتصامات أمام السرايا الحكومية في بيروت لمطالبة السلطات اللبنانية والأجهزة المعنية بالكشف عن مصيرهم.
ويوضح مدير الدفاع المدني التابع للهيئة الصحية الإسلامية في" منطقة جبل عامل الأولى" (صور- جنوب) عبدالله نور الدين أن" فريقنا لم يغامر من تلقاء نفسه ويقصد وادي السلوقي، بل نسقنا تماماً مع الجيش اللبناني وتحركنا وإياه إلى المنطقة، بخاصة بعد ورود معلومات من أحد رعاة الماشية أن أشلاء ضحيتين موجودة إلى جانب الطريق في الوادي.
عند وصولنا وجدنا دراجتين ناريتين مستهدفتين من مسيّرة إسرائيلية وإلى جانبهما أشلاء، من شكلها يفترض أن تكون لضحيتن، ووجدنا قرب الدراجة الثانية أشلاء أخرى، جمعناها ووضعناها في سياراتنا وسلمناها إلى الجهات المختصة كي تجري عليها فحوص الحمض النووي (DNA) لتحديد أصحابها".
ويتابع نور الدين" لاحظ فريقنا وجود بقع دم في المكان، فتتبعنا الأثر حتى وصلنا إلى بيت قريب لنجد جريحاً منهكاً، وإلى جانبه كمية محدودة من المياه وطعام قليل، عرفنا منه أنه كان من ضمن المجموعة التي قصدت المنطقة الحدودية لحظة استهدافهم، وأنه استطاع النجاة بعدما لجأ إلى هذا البيت القريب.
أجرى له المسعفون تضميداً لجراحه التي كانت تعاني التهابات حادة بسبب عدم تلقيه العلاجات والإسعافات والمضادات اللازمة مدة طويلة تجاوزت الأسبوعين، منذ فقدان أثره ورفاقه في الـ15 من يونيو الماضي، إبان توجههم إلى المنطقة الجنوبية الحدودية ظناً منهم أن وقف إطلاق النار مع إسرائيل قد سرى فعلاً".
وعلم أن الجريح ويدعى محمد علي حسن أجريت له جراحة عاجلة في أحد مستشفيات مدينة صور وأفادت معلومات طبية بأن الجراحين اضطروا إلى بتر رجله بسبب تعفن الجرح الذي أصيب به.
وكان ذوو حسن أجروا اتصالاً مع ابنهم خلال نقله بسيارة الإسعاف فطمأنهم إلى وضعه الصحي، لكنه كان يتحدث بإرهاق وتعب واضحين.
ونسأل نور الدين عن كيفية حسمهم أن هذه الإشلاء تعود للمفقودين الأربعة؟ فأجاب" عندما وصل عناصرنا في الدفاع المدني إلى البيت برفقة الجيش اللبناني، كان الجريح واعياً ومدركاً لكل شيء حوله، وهو من أخبر الشباب بأنه كان ضمن الفريق الذي أراد التوجه إلى الجنوب لتفقد ما حصل بعد حرب طويلة، وأجرينا فحص الحمض النووي لتحديد الأشلاء وفرزها وما إذا كانت لاثنين أو ثلاثة أشخاص، فالضحايا مع الجريح تعرضوا لإصابات مباشرة أدت إلى تدمير الدراجتين الناريتين اللتين كانوا على متنهما، ويبدو أن الجريح استطاع الابتعاد من الدراجة الثانية قبل استهدافها، لكنه لم ينجُ من الإصابة".
وأضاف" كنا نعلم بناء على معطيات شهود عيان أن الشبان الأربعة عبروا منطقة وادي السلوقي خلال توجههم إلى المنطقة الحدودية، ولذلك أتت جميع الأدلة، إضافة إلى إفادة الجريح لتحسم هذا المصير المأسوي لثلاثة من الشبان، فضلاً عن الإصابة البليغة للرابع".
نسمع عن فقدان أثر كثير من الشبان أو المقاتلين في صفوف" قوة الرضوان" التابعة لـ" حزب الله"، فهل لديكم خطة ما للبحث عن هؤلاء الأشخاص في الأودية، أو بين الشجر، أو تحت البيوت المهدمة؟ وما مدى صحة هذا الأمر؟يرد نور الدين" نحن في الوقت الحالي غير قادرين على أن نصل إلى شيء، ربما إذا دخلنا إلى المنطقة المحتلة أو القريبة منها سنجد حالات مماثلة، مع العلم أن أية جثامين سقطت خلال أربعة أشهر من الحرب وأثناء فصل الصيف يمكن أن تكون تحللت تماماً، وعندها سنلجأ إلى تحليل الحمض النووي لمعرفة أصحابها من مفقودي الأثر، مما يعني أنهم أشخاص فُقد الاتصال معهم خلال الحرب والمعارك ولا نعلم إذا ما قتلوا أو ظلوا على قيد الحياة".
وعن مساحة الحرية في التحرك والعمل الإسعافي والإنقاذ، يشير نور الدين" إلى أننا ومنذ بداية الحرب الثانية التي انطلقت أوائل مارس (آذار) الماضي، نعمل بالتنسيق التام مع الجيش اللبناني والجهات الأمنية المعنية، ومع ذلك هذا الإجراء لم يعفِ شبابنا من الاستهداف المباشر، فسقط لنا ما لا يقل عن 93 مسعفاً وسائقاً وعنصر دفاع مدني من الهيئة الصحية الإسلامية وحدها، فضلاً عن وجود ما لا يقل عن 150 جريحاً، إصابات بعضهم تعتبر بليغة وربما وصلت إلى حد الإعاقة الجسدية، إضافة إلى تدمير أكثر من 15 مركزاً تدميراً كاملاً وأكثر من 150 آلية مختلفة.
ومع ذلك نواصل جهدنا ونساعد الأهالي في عودتهم لديارهم ضمن المناطق البعيدة من الخطر ونقدم ما نستيطع من خدمات صحية واجتماعية".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ملف الأسرى بالسجون الإسرائيليةوكانت حملة" نداء الحرية" لحرية الأسرى والمختطفين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية وزعت بياناً، أشارت خلاله إلى أن" علي قشمر ومحمد حسن وهادي رقة وجواد بزي، أربعة مدنيين لبنانيين ما زالوا مفقودين منذ الإثنين 15 يونيو 2026، بعد انقطاع الاتصال بهم خلال عودتهم لقراهم في القطاع الأوسط، عقب إعلان وقف إطلاق النار.
لم يقدّم الاحتلال الإسرائيلي حتى الآن أية معلومات عن مصيرهم، فيما تنتظرهم عائلاتهم، ولا تزال مؤسسات الدولة تتأخر في تحمّل مسؤولياتها تجاههم.
ونحن لن نقبل أن يكونوا مجرد أرقام في سجل المفقودين".
ورأت الحملة أن" قضية علي قشمر ومحمد حسن وهادي رقة وجواد بزي لا تنفصل عن ملف الأسرى والمختطفين والمفقودين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، ولا عن واجب الدولة اللبنانية في حماية مواطنيها، وضمان حق عائلاتهم في الحقيقة، وحق كل أسير أو مختطف أو مفقود في الحماية والحياة والحرية والعودة".
ودعت إلى" التعامل مع ملف الأسرى والمختطفين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية بوصفه أولوية وطنية وإنسانية وقانونية، لا ملفاً هامشياً أو مؤجلاً، وإلى اعتماد آلية رسمية واضحة لمتابعة قضايا المفقودين والمختطفين، وإبقاء عائلاتهم على اطلاع دائم بأية مستجدات.
لن ننسى، لن نتخلى ولن نصمت".
وأضافت أن" استمرار حجب أية معلومة عن مصيرهم وأماكن وجودهم يثير مسؤوليات خطيرة في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني وحماية الأشخاص الواقعين في قبضة طرف معادٍ، ولا سيما حق العائلات في معرفة الحقيقة، وحق اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الوصول إلى أي محتجزين والاطمئنان إلى أوضاعهم".
لم تكُن المرة الأولى التي تشهد فيها هذه الأودية الاستراتيجية جنوب نهر الليطاني، الممتدة بين مجموعة كبيرة من التلال التي تتميز مع الأودية بكثافة حرجية أعمالاً عسكرية وأمنية وحوادث مشابهة، إذ شهدت منطقة وادي الحجير الممتدة نحو وادي السلوقي حوادث خطف وتوغل من قبل الجيش الإسرائيلي أواخر عام 2024، تزامناً مع العمليات العسكرية البرية والتوغلات المفاجئة في تلك المنطقة، وبعد أيام على اتفاق وقف إطلاق النار في الـ27 من نوفمير (تشرين الثاني) 2024، من بينها حادثة خطف المواطن حسام فواز في الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) 2024 بعد إصابته بطلق ناري من جنود إسرائيليين كانوا يكمنون في المكان.
وكان فواز متوجهاً من بلدته تبنين (بنت جبيل) إلى مركز عمله في الكتيبة الإندونيسية التابعة لقوات" اليونيفيل" في بلدة عدشيت القصير (مرجعيون) ثم أطلقته بعد ساعات ومساعٍ واتصالات من" اليونيفيل" والجيش اللبناني.
ووقعت في الـ19 من ديسمبر 2024 حوادث مشابهة، إذ أقدم الجيش الإسرائيلي المتوغل في وادي الحجير على خطف ثلاثة شبان لبنانيين خلال عبورهم في الوادي، أحدهم مهدي شموط (20 سنة) من بلدة برعشيت (بنت جبيل)، وعثر بعدها في مكان الحادثة على سيارته مصابة بخمس طلقات نارية في مقدمتها، وأفرج عنه بعد يومين.
كذلك وجدت شاحنة (بيك أب) كان يستقلها فؤاد حبيب قطايا (مواليد 1982 من القصر- الهرمل) ومعه ابن شقيقته علي ناصر يونس (مواليد 1992 من الهرمل- البقاع) بينما كانا متوجهين إلى بلدة شقرا القريبة لتسلّم ورشة تركيب واجهات منزلية من الألمينيوم.
ولم يزَل مصير المخطوفين مجهولاً، بعدما أفادت معلومات عن نقلهم إلى السجون الإسرائيلية.
شكّلت الوديان جنوب نهر الليطاني ممرات مثالية للمقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين نحو المواقع الإسرائيلية طوال فترة الصراع والاشتباكات قبل اجتياح عام 1982، بسبب طبيعتها الجغرافية التي تؤمن الغطاء والحماية.
وكان وادي السلوقي من أبرز هذه الممرات منذ العهد العثماني مروراً بفترة الانتداب الفرنسي وصولاً إلى العقود الأخيرة واحتلال الإسرائيليين مناطق مجاورة في أقضية بنت جبيل ومرجعيون وصور، بخاصة بعد اجتياح 1978 (عملية الليطاني) وإقامتها ما يسمى منطقة" الحزام الأمني" أو" الشريط الحدودي" التي جعلت فيها مناطق حكم ذاتي لميليشيات لبنانية أنشأتها وغذتها بالأموال والسلاح وبقيت كذلك حتى تاريخ انسحابها من المنطقة في مايو (أيار) عام 2000.
لمع اسم وادي السلوقي ومعه وادي الحجير بصورة لافتة خلال حرب يوليو (تموز) عام 2006، عندما شهدا مواجهات عنيفة بين مقاتلي" حزب الله" والجيش الإسرائيلي، وحصلت فيهما عمليات عسكرية كانت أكثر لمصلحة الحزب بسبب موقعهما الحساس المرتبط بمناطق واسعة من القطاعين الوسط والشرقي في الجنوب.
وتؤكد المعلومات والتقارير التاريخية أن الصليبيين استخدموا وادي السلوقي ممراً خلال حملاتهم نحو القدس، وشيدوا في محيطه الغربي قلعة عسكرية لا تزال آثارها قائمة في خراج بلدة شقرا وتعرف بـ" قلعة دوبيه".
كما تفيد الروايات التاريخية بأن القلعة أُقيمت على أنقاض بناء روماني قديم قبل أن يطورها المماليك لاحقاً.
قبل الحربين الأخيرتين، 2024 و2026 كان وادي السلوقي ولم يزَل يشكل نقاط مراقبة تابعة لقوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، نظراً إلى حساسية المنطقة وقربها من خطوط التماس الجنوبية.
وفضلاً عن أهميته العسكرية والتاريخية، يُعرف الوادي بطبيعته الخلابة وتضاريسه المميزة، إذ تنتشر فيه الأشجار الحرجية المعمرة، ولا سيما أشجار البطم، مما يجعله واحداً من أبرز المعالم الطبيعية في جنوب لبنان.
لذا، لا يغيب وادي السلوقي عن اهتمام إسرائيل ورغبتها الدائمة في السيطرة عليه وصولاً إلى وادي الحجير، إذ يطوقان من الغرب" المنطقة الصفراء" التي أعلنتها منطقة عازلة تفصل بين جنوب لبنان والمستعمرات الإسرائيلية بعدما دمرت جميع البلدات والقرى التي تقع جنوب الواديين وشرقهما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك