عمان – في وقت يؤكد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه نجح في فرض اتفاقات لوقف إطلاق النار على أكثر من جبهة، تشمل قطاع غزة ولبنان وإيران، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه التفاهمات على الصمود أمام تعقيدات المشهد الإقليمي.
اضافة اعلانوبحسب خبراء، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن الإعلان عن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، خصوصا في منطقة تتشابك فيها الحسابات العسكرية والسياسية والأمنية، وتتنازعها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة.
وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى دولة الاحتلال، التي تبدو الأكثر تأثيرا في مستقبل هذه الاتفاقات، في ظل وجود حكومة يمينية متشددة برئاسة بنيامين نتنياهو، لا تخفي تحفظاتها على أي تفاهمات لا تحقق أهدافها الأمنية والإستراتيجية بصورة كاملة.
وبينما يسعى ترامب إلى تسويق هذه الاتفاقيات باعتبارها إنجازا سياسيا يعزز صورته كرئيس نجح في إنهاء الحروب، يرى الخبراء أن تل أبيب قد تلجأ إلى تغيير أدوات المواجهة عبر تكثيف العمليات الأمنية والاستخباراتية بدلا من الانخراط في حروب واسعة، بما يسمح لها بالحفاظ على هامش الحركة من دون الاصطدام المباشر مع واشنطن.
وبين عدة احتمالات، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة تتراجع فيها الحروب التقليدية لصالح مواجهات منخفضة الحدة، فيما يبقى نجاح اتفاقات وقف إطلاق النار مرهونا بمدى قدرة الأطراف الفاعلة على تحويلها من تفاهمات مؤقتة إلى ترتيبات سياسية وأمنية أكثر استدامة.
تعليقا على ذلك، قال الخبير الأمني والإستراتيجي الدكتور عمر الرداد: إن الخطاب الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يحمل جديدا على مستوى المضمون، إذ يعيد طرح الرسائل ذاتها التي اعتاد توجيهها إلى الرأي العام الأميركي والدولي، في محاولة لإظهار نفسه بوصفه صاحب الدور الأبرز في احتواء النزاعات وإنهاء الحروب في مناطق مختلفة من العالم.
وأكد الرداد أن ترامب يتحدث عن إنهاء عدد من الصراعات الدولية، إلا أن المشهد في الشرق الأوسط يبدو أكثر تعقيدا، لافتا إلى أن إسرائيل تمثل الطرف الأكثر تأثيرا في مسار التطورات الإقليمية، وقد تسعى إلى عرقلة الخطة التي يروّج لها ترامب باعتبارها مدخلا لتثبيت وقف إطلاق النار ووضع حد للحروب في المنطقة.
ورغم ذلك، استبعد أن تمضي الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو نحو إفشال خطة ترامب بصورة كاملة، مرجحا أن تشهد العلاقة بين الجانبين قدرا من التباين في بعض الملفات، مقابل استمرار التفاهم والتنسيق في ملفات أخرى بما يحافظ على المصالح المشتركة بين واشنطن وتل أبيب.
وأشار إلى أن إسرائيل قد تتجه خلال المرحلة المقبلة إلى تغيير أدواتها العسكرية، بحيث تقلل من الاعتماد على العمليات العسكرية التقليدية، وتزيد من تركيزها على العمل الاستخباراتي والعمليات الأمنية النوعية.
وأضاف الرداد أن وقف الحرب بصيغتها التقليدية في قطاع غزة لم يؤدِّ إلى توقف العمليات الإسرائيلية، إذ لا تزال العمليات الأمنية مستمرة، وينطبق الأمر ذاته على الساحة اللبنانية.
وفيما يتعلق بإيران، رأى أن إسرائيل لم تُبدِ قناعة كاملة بأن التفاهمات التي أعقبت المواجهة الأخيرة قد حققت جميع أهدافها، معتبرا أن مطالبها الأمنية ما تزال أوسع من النتائج التي أفرزها الاتفاق.
ومن هذا المنطلق، توقع استمرار العمليات الأمنية والاستخباراتية التي كانت تنفذها ضد إيران بمساعدة شبكة حلفائها قبل اندلاع الحرب في 28 شباط (فبراير) الماضي.
وأضاف الرداد أن المشهد ذاته ينسحب على حزب الله، إذ لا يتوقع توقف المواجهة بصورة كاملة، حتى في حال أعلنت إسرائيل التزامها باتفاقات التهدئة أو انسحبت من بعض المناطق.
ورجح أن تواصل تل أبيب تنفيذ عمليات أمنية محدودة ونوعية، بهدف الحفاظ على مستوى من الضغط العسكري والأمني دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وشدد الرداد على أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ستظل قائمة على مساحة واسعة من التنسيق، رغم ما قد يظهر من اختلافات في بعض القضايا، وهو ما يمنح أي حكومة إسرائيلية هامشا للتحرك وتنفيذ عمليات أمنية محدودة من دون الوصول إلى مرحلة صدام سياسي أو خلاف استراتيجي عميق مع واشنطن.
بدوره، أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية الدكتور بدر الماضي أن تصريحات الرئيس الأميركي تحمل في طياتها رسائل سياسية تتجاوز مضمونها المباشر، ويمكن قراءتها من خلال بعدين رئيسيين يرتبطان بالداخل الأميركي وبالعلاقة مع إسرائيل.
وقال الماضي: إن الرسالة الأولى تستهدف بالدرجة الأولى الناخب الأميركي، حيث يسعى ترامب إلى ترسيخ الصورة التي قدم نفسه من خلالها منذ حملته الانتخابية باعتباره" رجل السلام" القادر على إنهاء النزاعات الدولية.
وأشار إلى أن ملفات غزة واليمن وسورية ولبنان كانت جزءا أساسيا من الخطاب الانتخابي الذي ساهم في وصوله إلى البيت الأبيض، ولذلك يحرص على تكرار هذه الرواية لإقناع الرأي العام الأميركي بأنه أوفى بوعوده وحوّل شعاراته إلى سياسات ملموسة على أرض الواقع.
وأضاف أن ترامب يسعى من خلال هذا الخطاب إلى تعزيز موقعه السياسي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في ظل مخاوف من تراجع نفوذ حزبه داخل الكونغرس، سواء في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب.
واعتبر الماضي أن استمرار الحديث عن نجاحه في إخماد بؤر التوتر يمثل جزءا من إستراتيجيته للحفاظ على التأييد الشعبي وتعزيز حضوره في المشهد السياسي الداخلي.
أما الرسالة الثانية، فتتوجه إلى دولة الاحتلال، حيث يحاول ترامب التأكيد على ضرورة الالتزام بالتفاهمات التي جرى التوصل إليها في ملفات غزة ولبنان، وكذلك في ما يتعلق بإيران.
ويرى الماضي أن الإدارة الأميركية باتت أكثر إدراكا لحجم الأعباء السياسية والعسكرية التي تكبدتها نتيجة استمرار تلك الصراعات والسياسات الإسرائيلية، وما رافقها من استنزاف للقدرات الأميركية خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن ترامب يمتلك، من حيث المبدأ، القدرة على ممارسة ضغوط تحد من استمرار هذا النهج، إلا أن ذلك يصطدم بعقبات تتعلق بالسياسات الإسرائيلية ونفوذ اللوبي المؤيد لدولة الاحتلال داخل الولايات المتحدة، والذي يسعى، وفق تقديره، إلى توجيه السياسة الأميركية بما يخدم المصالح الإسرائيلية بدلا من الحفاظ على دور واشنطن كقوة دولية قادرة على تحقيق التوازن في الساحة الدولية.
وفي المقابل، يرى الماضي أن إسرائيل تمتلك بدورها أدوات للتأثير في حسابات ترامب السياسية، وقد تحاول إرباك مساعيه إذا رأت أنها تتعارض مع أولوياتها الأمنية أو السياسية.
وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية تدرك حساسية المرحلة الانتخابية التي يمر بها ترامب، وقد تستثمر ذلك للضغط عليه أو لإضعاف موقفه داخليا، بما يعزز الانطباع لدى الرأي العام الأميركي بأن كيان الاحتلال ما يزال صاحب التأثير الأكبر في رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وأن مصالحه تبقى عاملا حاسما في توجهات واشنطن الإقليمية.
فيما قال الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور: إن حكومة الاحتلال الإسرائيلي لا تنظر إلى الاتفاقيات التي أُبرمت أخيرا بوصفها تسويات تحقق مصالحها الإستراتيجية، بل ترى أنها لا توفر حسما للصراعات أو تحقق الأهداف التي تسعى إليها.
وأكد أن هذه الاتفاقيات من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية لا تنهي مصادر التهديد كما تتصورها تل أبيب، ولا تلبي طموحات أحزاب اليمين المتطرف التي تدفع باتجاه توسيع الاستيطان والإبقاء على حالة المواجهة المفتوحة باعتبارها أداة لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية، ولهذا يتوقع استمرار محاولات نتنياهو لإضعاف هذه التفاهمات أو تقويضها كلما سنحت الفرصة.
وأشار منصور إلى أن ترامب يتحدث عن اتفاقيات تشمل مختلف ساحات التوتر، إلا أن أيا منها، بحسب تقديره، لم ينجح في وضع أسس حقيقية لاستقرار طويل الأمد.
ففي لبنان، ما يزال الجيش الإسرائيلي يحتفظ بوجوده في عدد من المناطق، بينما يشهد قطاع غزة عمليات عسكرية وتوسعا ميدانيا بشكل شبه يومي، إلى جانب استمرار الخلافات حول ملف السلاح، كما أن ملف البرنامج النووي الإيراني ما يزال، في رأيه، دون تسوية نهائية.
ويرى منصور أن هذه المعطيات تعكس وجود عوامل قد تقود إلى تعثر تلك الاتفاقيات مستقبلا، لأنها تستند إلى تفاهمات هشة وتوازنات مؤقتة أكثر من اعتمادها على تسوية حاسمة أو تحول جوهري في مواقف الأطراف المتنازعة.
وأضاف أن غياب طرف تمكن من فرض إرادته بصورة نهائية أو إحداث تغيير جذري في قناعات خصومه يجعل فرص انهيار هذه التفاهمات قائمة، وهو ما يراهن عليه رئيس وزراء الاحتلال في إدارة المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك