قناة القاهرة الإخبارية - زيارة مرتقبة لنتنياهو إلى واشنطن.. وعون يدعو ترامب إلى مواصلة دعم قضايا لبنان| تغطية خاصة العربي الجديد - كل هذا الفساد في العراق قناة التليفزيون العربي - ترمب: هزمنا فنزويلا في يوم واحد ووجهنا ضربات قاسية لإيران والآن نمنحها مهلة لتشييع الجنازة العربي الجديد - سورية المحتجّة والتحدّيات العنيفة العربي الجديد - المؤسّسات غير المرئية وإشكالية بناء الدولة الحديثة الجزيرة نت - أول تعليق من حكيمي بعد تأهل المغرب إلى ربع نهائي كأس العالم 2026 قناه الحدث - بين العواصف والحر الشديد.. أميركا تحتفل بذكرى استقلالها الـ250 وكالة شينخوا الصينية - عاجل: مستثمر سويدي: تعميق التعاون مع الصين مهم لأوروبا العربي الجديد - اتفاق يرسّخ احتلال لبنان روسيا اليوم - استطلاع للقناة 12 الإسرائيلية يكشف أزمة ثقة غير مسبوقة.. نتنياهو ووزراء حكومته يواجهون تراجعا حادا
عامة

«أعرف ما فكرت به في ركعة الأمس» مجموعة الشاعر السعودي أحمد العلي: الكتابة بوصفها طريقة لمساءلة الوجود

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة
1

يصف الكاتب والأديب الألماني الحائز على نوبل غونتر غراس الحقيقة بأنها «ليست ما يحدث، بل ما يُروى»، وانطلاقاً من مقولته يمكن إدراك أن أصل الحقيقة هو الحكاية كما رويت لا كما حدثت.هذا ربما ما سيفكّر فيه...

يصف الكاتب والأديب الألماني الحائز على نوبل غونتر غراس الحقيقة بأنها «ليست ما يحدث، بل ما يُروى»، وانطلاقاً من مقولته يمكن إدراك أن أصل الحقيقة هو الحكاية كما رويت لا كما حدثت.

هذا ربما ما سيفكّر فيه كل من يقرأ ديوان «أعرف ما فكرت به في ركعة الأمس»؛ أحدث إصدارات الشاعر السعودي أحمد العلي، الذي يقدم كتابه بوصفه قصيدة تكتب نفسها وتطرد خالقها.

وهو في الحقيقة يناقش فعل الكتابة داخل القصيدة (القعود، السطور، النيران، القلم)، حتى يصل في النهاية إلى مرحلة «الاستقلال الوجودي» للمخطوطة؛ حيث ينفصل النص عن ذات الشاعر المادية:كم منك وأثقل في هذا الكونهنا يتحول النص من مفعول به إلى فاعل مطلق.

مارس الشاعر الكتابة المتدفقة خياراً للانعتاق؛ وكأنه عاش أثناء هذا العبور الروحي عزلة صوفية مؤلمة، ليصبح الألم هنا هو «وقود الخلق الفني».

فالقصيدة الصافية البكر والوصول إلى «اللؤلؤة» يتطلبان حرق الواقع المادي (إحراق بشت الجد وترك الأم على الباب).

ومن خلال هذا الاحتراق الروحي واللغة الضوئية، تكاتف معه وعي النجوم ونور الإلهام الخفي، ليبلغ ذروة الاستنارة والخلود، مُعلناً: «أكتب لسلالة الألف عام».

إذ تتحول هذه السلالة إلى شواهد بصرية وملامح حية يستعيرها الشاعر كدروعٍ دفاعية في وجه العدم، وتتوزع هذه الرؤية في أربعة محاور:الكادر المبتور (صورة الأم ليلة زفافها): لقطة فوتوغرافية يُقصُّ منها الآباء والأبناء؛ إذ يمارس عملية «بتر متعمد» لكل ذكور السلالة من محيط الصورة: «وأبوك ليس في الصورة / ولن تكون أنت».

رغبةً في استبقاء النقاء الأنثوي البكر كعقيدة قتالية تتحدى الزمن والفناء.

والصورة هنا ليست ذكرى عائلية، بل هي المُحرّكُ العاطفيّ الذي يبرر للمقاتل سبب خوض حربه الروحية.

سلالة الملامح (ملتقى الأنف بالجبين): تحوُّل الملامح البيولوجية في المرآة إلى حصن أمان؛ إذ يصطدم الشاعر بوجه جده المحفور هندسياً في جبهته، فيذهل: (وفجأة جمدتَ) هي لحظة مواجهة فوتوغرافية مباغتة بذاته، عندما يواجه مرآته ويقول بصرامة: «في ملتقى أنفك بجبينك هنا جدك».

الشاعر هنا لا يستدعي جده كروح هائمة، بل يستدعيه كرسم تخطيطي بيولوجي محفور في تضاريس وجهه الحالي.

ومن خلال هذا يدرك أنه ليس شخصاً معزولاً، بل هو تأريخٌ حيّ لوجه جده وتاريخ الأحساء.

وضمن هذا المدار الروحي يعود الشاعر إلى ذاكرته الأولى، إلى أرض الأجداد؛ هناك حيث ما زالت الأمكنة تردد صدى ضحكاتهم، ليستدعيَ الأم، النخيل، وقبضة الحبيبة، كمن دخل في حالة صوفية لقنته ذاكرة لم يعشها، متتبعاً إرث الجد:«صلى بك جدك في المجلس ــ علمك»سطوة الرمز التراثي (بشوت الأعمام): استدعاء «البشت» كرمز للهيبة الاجتماعية التي تُجبر الجسد على النهوض العسكري: («قم يا ولد») واعتبار جحود الجذور بمثابة طعنة مرتدة تُصيبُ العمقَ.

الأدلة الحسية (المسباح والخلخال): استبدال البصر المادي المعطل في عتمة البرزخ بأدوات إرشاد أنثروبولوجية؛ فيتحول لمس خرز المسباح إلى طاقة للذكر.

كما يستحيل الإنصات لرنين الخلخال إلى دليل عاطفي وأنثوي خالص يسحب خطوات المقاتل ليعبر البرزخ من نور إلى نور، يقول العلي:يعيش الشاعر في فضاء معزول، إلا أن البوصلة والمنبت الروحي الذي يستدعيه دائماً في أوقات الشدائد هو «الأحساء» بكل حمولتها الثقافية والبيولوجية (رمل الجبهة، النخيل، مجلس الجد، سمر الأعمام حول نيران الحطب، مقابر البلد).

المكان هنا ليس خلفية، بل هو كائن حي وبنية جينية تسري في دم الشاعر ووجهه وتمنحه جوهرالهوية الثابتة.

ينقسم كتاب العلي إلى أربعة فصول:الفصل الأول «في قصري»: هو رحلة الصعود التي تفتتح عزلة الشاعر في قصر مخيلته؛ حيث يجلس عند قائمة العرش متطهراً بالماء البارد ليكتب ركعته الأولى.

يبدأ ببراءة الوعي الأول، ويتسامى إلى جلال المُلْك، ليتحول المكان إلى كون موازٍ تخرق فيه المخيلة قوانين الطبيعة والجغرافيا عبر لازمة «اركض اركض»، وينتهي بتخفف الشاعر من طينته المادية ليصبح كائناً نورانياً، شهاباً يطوف السماء ليقول الشعر.

وفي الفصل الثاني: «جئنا نقول لك»، هو رحلة البوح والمواجهة وصدمة الوعي، ويتلخص في:هدم الزيف: ثورة على أوهام العقل البشري (الحياة والموت) ومحاكمة الذاكرة الواعية باعتبارها ثعلباً ينبش في الجيف وينسى الأفراح البكر؛ حيث يقرر الشاعر مع حيرته وقلقه أن «الوجود هو السؤال» كما كتب في إحدى قصائده.

الكتابة خلود: تبدو الكتابة هنا كخلودٍ حتميّ يؤكد أن الموت يعجز عن الشاعر ما دام يكتب، محولاً الاحتراق (الحطب والنار) إلى صعود ونور؛ إذ يستند الشاعر لمجلس الجد ورمل الأحساء، وأمام سلالته التي لم تولد بعد يعلن أن خلاصة رسالته هي الحب وحده، لتتماهى المادة وتصنع من حضور الحبيبة وتراب الأحساء معبراً للنجاة من الفناء.

وحيث يرتبط الموت المادي في «مقابر البلد» بـ«نظرة وذاكرة حبيبة دون لقاء»، يبرز إعلان فلسفي يكشف أن الإنسان لا يموت عندما يُدفن جسده في التراب، بل يموت عندما يُنسى؛ وبما أن هذه الحبيبة تتذكره وتنظر إليه بعين بصيرتها وروحها، فإن الموت يتحول إلى خلود عاطفي نقي.

في الأخير، عندما يقول إن «القتال ليس بالسواعد وحدها»، فهو يؤكد أن حرب المقاتل الشاعر لم تكن بالبطش الجسدي، بل كانت بالحب، والكلمة، واليقين العاطفي الذي تقاسم كفه فيه مع كف هذه الحبيبة الطيفية «يدك في يدي»؛ فهي شريكته في معركة النجاة.

إذن، الفتاة هنا هي الملهمة، والحقيقة العاطفية الخالدة التي تمنح موت الشاعر وجهاً جميلاً ونقياً عابراً للأزمنة.

الفصل الثالث «لِكُلِّ مقاتلٍ ربّ»: هو رحلة التطهير الشرس والتحول نحو المدد الغيبي الخفي، ويتلخص بكثافة في أربعة تحولات؛ يبدأ بانفراد الجناح لمواجهة يوم الرعب، واكتشاف المقاتل لسِرّه الأصفر الذي يقوده خفيةً في الطليعة من دون أن يراه الأعداء، ثم زحف الجيوش على رمل الأحساء لاصطياد الصوت بالموت الواعي، وملامسة العِرق النابض في العنق كإغراء كوني تخشع له الطيور والنجوم.

يليه القَسَم بالالتحام بين بأس السلاح ورقة الكلمة، وموازنة عواء الذئب الأبيض بتشابك الأيدي مع الحبيبة الطيفية (الألم هو الجمال)، وصولاً إلى تجلّي الإمام الحسين برقبته البيضاء وصمته الوعر لأن «الله أراه نفسه»، والاتكاء على ركبة الأب وإرث الجد ليعفو الشاعر عن أخيه الصغير ويتوَّج وزيراً حكيماً يستند مغمضاً إلى قائمة عرشه الأبدي.

الفصل الرابع «وقْف»: يتحول الجسد عبر الركض بالمسباح والسقوط عن الفرس إلى أوراق خفيفة، وتستقر كأرض موقوفة للأبد في بيت الجد الأزلي؛ فيتخفف الكائن من ماديته، ليتلقى نداء السلالة الممتد عابراً للأزمنة:تعالى أيها الدخان، تعالى أيها الضال،ليستحيل النص – بتعبير العلي – إلى «ذاكرة صادقة في ما تنساه»؛ فالنسيان هنا يتخلى عن العابر استبقاءً للثابت.

ومن هذا النقاء، يظهر (الوَقْف) كإرث يتنازل فيه الكائن عن ملكيته المادية، ليتحول العمل إلى موقوف للأزل في مقره الأول.

يمدُّ ديوان «أعرف ما فكرت به في ركعة الأمس» خيطاً نحو الأصل؛ مؤكداً أننا لا يمكن أن نفهم ذاتنا انطلاقاً من الحاضر، بل علينا دائماً العودة إلى الأصل ليسائل كلٌّ واحد منا ماضيه انطلاقا من ذاكرته ووعيه بتحول الأشياء حوله.

لذا جاء التفكير في ركعة الأمس لا اليوم؛ إذ لا حاضر ولا مستقبل من دون ماضٍ مؤسس، ما يحيلني إلى عبارة المفكر التونسي فتحي المسكيني: «لا نلتقي بالحداثة في المستقبل الذي وقع علينا، بل في الماضي الذي لم يحدث بعد».

وفي هذا الكتاب نلتقي بالحداثة التي فسرها الشاعر بمنطق الشعر حيث لا تتم مساءلة الوجود في فراغ، بل تتحرك دائماً في محتواها الأصلي الأول الذي يصطدم به وعي الإنسان مباغتةً.

فعندما يستيقظ الكائن على «الهمّ الوجودي» بتعبير مارتن هايدغر، يجد نفسه محاطاً بالمواد الأساسية، بذلك الطين الشحيح والأعمدة الصلبة التي تُشكّل أصل الحياة، في مقابل مباهج الحياة المؤقتة.

ومن مرحلة هذا الوعي الحسي المباغت، يميز النص ما هو أصيلٌ وثابت عما هو زائلٌ ونافد؛ ليلخص أحمد العلي في الأخير إلى قناعة «الكتابة» بوصفها طريقة لمساءلة الوجود.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك