حين يصير الشعر إقامةً في سؤال الموت، يحق للشاعر السعودي محمد بن عواض الثبيتي (1952 ـ 2011) أن يغادر العالم مطمئناً إلى أن قصيدته، حيث أنجزت ما كانت تحلم به من إقامةٍ طويلة في الذاكرة العربية.
فليست القيمة الجمالية للشاعر الكبير فيما أضافه إلى مدونة الحداثة الشعرية الخليجية والعربية فحسب، وإنما فيما منحه للقصيدة من قدرة على استعادة دهشتها الأولى، وإعادة اكتشاف المناطق المنسية من الوجود الإنساني.
لقد كان واحداً من أولئك الشعراء الذين لا يكتبون اللغة بقدر ما يعيدون خلقها، ولا يعبرون العالم بقدر ما يمنحونه شكلاً آخر للظهور.
ولعل ما قاله مارتن هايدغر: «اللغة هي بيت الكينونة» يجد في تجربة الثبيتي أحد أكثر تمثلاته العربية كثافة؛ فالشاعر لم يتعامل مع اللغة باعتبارها أداة للتعبير، وإنما باعتبارها موطناً للوجود نفسه.
ولذلك تبدو قصيدة الثبيتي مأهولة بأسئلة الكينونة أكثر من امتلائها بالأجوبة، ومفتوحة على الاحتمال أكثر من استقرارها عند اليقين.
فحين نقرأ «التضاريس»، لا نكون بإزاء ديوان شعري بالمعنى المألوف، وإنما أمام جغرافيا روحية تتقاطع فيها الأزمنة والأمكنة والرموز والأساطير.
فالعنوان ذاته يحيل إلى بنية أنطولوجية عميقة؛ إذ لا يتعلق الأمر بتضاريس الأرض وحدها، بل بتضاريس الذات وهي تعبر وعورة الوجود، وتواجه انكسارات الزمن، وتفتش عن معنى يمكن أن يضيء عتمة المصير.
لقد أدرك الثبيتي، كما أدرك نيتشه قبله، أن «من يملك سبباً للحياة يستطيع أن يتحمل أي كيفية للعيش»، غير أن الشعر عنده لم يكن بحثاً عن سبب للحياة فقط، بل كان أيضاً مساءلة دائمة لمعنى الموت.
لهذا يبدو الموت في «التضاريس» حالة وجودية أكثر منه حدثاً بيولوجياً؛ إنه ذلك الحضور الخفي الذي يمنح الأشياء كثافتها، ويجعل الكائن أكثر وعياً بهشاشته وبحاجته إلى المعنى.
ومن هنا تتبدى فرادة الثبيتي.
فهو لا يستعير الموت موضوعاً للكتابة، بل يحوله إلى أفق تأويلي يعاد من خلاله فهم الحياة ذاتها.
تكتسب «الرمال» مكانة مركزية داخل المعمار الرمزي للديوان.
فالرمل ليس عنصراً طبيعياً أو خلفية مكانية محايدة، بل يتحول إلى استعارة كبرى للزمن.
إنه الكائن الذي يتشكل باستمرار من دون أن يستقر على هيئة نهائية، وهو بهذا المعنى يقارب ما ذهب إليه غاستون باشلار حين رأى أن عناصر الطبيعة ليست موضوعات خارجية، بل صوراً أولية تتجسد فيها أحلام الإنسان وهواجسه العميقة.
إن الرمال عند الثبيتي لا تروي تاريخ المكان فحسب، بل تستدعي تاريخ الكائن نفسه، ذلك الكائن الموزع بين الحضور والغياب، بين الرغبة في الخلود واليقين بالفناء.
ولهذا تتجاور في الديوان صور الانبعاث وصور الاندثار، ويتجاور الاحتفاء بالحياة مع الإنصات الطويل لصوت العدم.
وتنبع قوة هذه التجربة من قدرتها على تجاوز الثنائية التقليدية بين الموت والحياة.
فالثبيتي لا يرى أحدهما نقيضاً للآخر، وإنما يعتبرهما وجهين لحقيقة واحدة.
إذ يلتقي الشعر بالفلسفة، وتصبح القصيدة مجالاً لتجريب أسئلة طالما شغلت الفكر الإنساني منذ هيراقليطس إلى هايدغر.
فالكائن لا يكتمل إلا بوعيه بفنائيته، والحياة لا تكتسب معناها إلا حين تدرك حدودها.
ولعل هذا ما يجعل «التضاريس» نصاً مفتوحاً على قراءات لا تنتهي.
إنه ديوان يكتب الوجود من داخله، ويجعل من اللغة مختبراً للمعنى، ومن الرمز جسراً نحو المجهول.
فكل صورة فيه تقود إلى صورة أخرى، وكل مجاز يفضي إلى أفق أبعد، حتى يبدو النص نفسه أشبه برحلة لا تبحث عن نهاية، بل عن مزيد من الأسئلة.
وقد يكون أعظم ما أنجزه الثبيتي أنه أعاد إلى الشعر وظيفته الأصلية بوصفه أداة للإنصات إلى العالم.
فالقصيدة عنده ليست خطاباً جمالياً فقط، وإنما فعل كشف؛ كشف لما يسكن الإنسان من قلق، وما يعتمل فيه من خوف، وما يراوده من حلم بالخلاص.
لهذا لا يمكن النظر إلى «التضاريس» باعتبارها ديواناً عن الموت، وإنما باعتبارها تأملاً عميقاً في شروط الوجود الإنساني ذاته.
إنها كتابة تمضي إلى أبعد من ظاهر الأشياء، وتقترب من تلك المنطقة التي وصفها محمود درويش بأنها «الفجوة بين ما نكون وما نريد أن نكون».
وهنا يبرز السؤال الذي يتركه الثبيتي معلقاً في وجه قارئه: هل الموت نهاية الكائن أم بداية معناه؟ وهل تمضي الحياة نحو الفناء، أم أن الفناء نفسه هو الذي يمنحها قيمتها الرمزية؟ ثم كيف يستطيع الشعر أن يحول هشاشة الإنسان إلى أثر خالد، وأن يجعل من الكلمات وطناً أخيراً لمَن يعبرون الزمن ويغيبون؟ تلك هي «تضاريس» الثبيتي الحقيقية: ليست تضاريس المكان، بل تضاريس الروح وهي تتلمس طريقها بين المعنى والمصير.
المكان إلى جغرافيا الفناءلا تغادر الرمال مخيلة محمد الثبيتي لأنها جزء من المشهد الصحراوي فحسب، وإنما لأنها تتحول في معماره الشعري إلى استعارة كبرى للوجود الإنساني نفسه.
فبين ديوان «موقف الرمال» و«التضاريس» خيط خفي من المعنى يمتد مثل شريان عميق في جسد التجربة، حتى ليبدو الرمل صورة تتناسل من داخلها صور أخرى، ورمزاً يلد رموزاً لا تنتهي.
وكأن الشاعر، منذ اللحظة التي استفتح فيها عالمه الشعري بنداء الموت: «ستَموتُ النُّسورُ التي وشمتْ دمكَ الطفلَ يوماً.
وأنتَ الذي في عروقِ الثرى.
نخلةٌ لا تموت».
كان يرسم منذ البدء خريطة الرحلة كلها؛ رحلة الكائن وهو يعبر هشاشة الزمن نحو مصيره الأخير.
لقد أدرك الثبيتي، بحدسه الشعري، ما سيصوغه هايدغر فلسفياً حين اعتبر أن الإنسان هو «الكائن المتجه نحو الموت».
فالموت عنده ليس حادثة تقع في نهاية الحياة، وإنما أفق يرافق الكائن في كل خطوة يخطوها.
ومن هنا تكتسب الرمال دلالتها العميقة؛ إذ ليست كتلة جامدة من التراب، بل حركة مستمرة نحو التبدد، وصورة للزمن وهو يمارس عمله الصامت في الأشياء.
الرمل في «التضاريس» لا يستقر على معنى واحد.
إنه بقايا الصخر وميلاده في الآن ذاته، أثر الثبات وعلامة التحول معاً.
لذلك يتردد القارئ بين جغرافيتين متداخلتين: جغرافيا الأرض التي تتآكلها الريح، وجغرافيا الذات التي تتآكلها الأسئلة.
وفي الحالتين ثمة حركة لا تتوقف، كأن الكائن محكوم بأن يظل عالقاً بين ما كان وما سيكون، بين أصل يتوارى ومصير لم يتشكل بعد.
ولعل عبارة الشاعر: «بين عيني وبين السبت طقس ومدينة» تشي بهذا التعليق الوجودي الذي يعيشه الإنسان أمام العالم.
فالمدينة هنا ليست مكاناً، والطقس ليس حالة مناخية؛ إنهما صورتان لزمن داخلي تتنازع فيه الرغبة والغياب، الحضور والانطفاء.
ولذلك يظهر الرعد في القصيدة قوة تعرّي جسد الموت، فيما تظل الخصوبة مستثناة من هذا الانكشاف، وكأن الحياة نفسها لا تُدرك إلا عبر ما يهددها بالفناء.
في هذا المستوى من الكتابة، تتحول اللغة إلى ما يشبه الطقس الصوفي.
الكلمات لا تشير إلى الأشياء، وإنما تستدعي ظلالها.
والصمت لا يعود نقيض الكلام، بل يصبح شكلاً آخر من أشكاله.
هنا نستحضر قول موريس بلانشو: «اللغة تبدأ من حيث يصبح الصمت أكثر قدرة على القول».
ولذلك ينصت الثبيتي إلى الماء وهو يتمدد، وإلى الحزن وهو يتكثف، وإلى العناصر الأولى للحياة: التراب، الملح، النار، الرماد، الطين، كما لو أنها أبجدية بدائية يحاول من خلالها إعادة كتابة سفر الكينونة.
لكن هذا الإنصات الطويل ينتهي دائماً عند حافة الموت.
فكل امتداد في القصيدة يتحول إلى انحدار نحو سؤال الفناء.
وكل خصوبة تنطوي على بذرة اضمحلالها.
ولهذا يبدو الغراب في نصوص الثبيتي أكثر من طائر؛ إنه رسول الخراب القديم الذي عرفته الأساطير منذ ملحمة جلجامش حتى أساطير الصحراء العربية.
حين يقول:«يا غراباً ينبش النار.
يواري عورة الطين وأعراس الذباب»، فإن الصورة لا تقدم مشهداً شعرياً فقط، بل تؤسس لرؤية كاملة للعالم.
النار والطين والذباب والطاعون ليست عناصر متجاورة، وإنما حلقات في سلسلة وجودية واحدة، حيث يتجاور الخلق والفساد، الولادة والانطفاء، في رقصة كونية لا تعرف السكون.
ومن هنا أيضاً تبرز أهمية قصيدة «القرين».
فالقرين ليس شخصية أخرى، بل الوجه الخفي للأنا وهي تواجه نفسها.
تتحول المقامرة بالجرح عند الثبيتي إلى فعل مقاومة ضد العدم، وإلى محاولة أخيرة لإثبات الحضور في وجه التلاشي.
لهذا يبدو الجواب في قصيدة «القرين» منهكاً ومثقلاً بالخيبات: «تلاحقني تمتمات البسوس.
أرى بين صدري وبين صراط الشهادة.
شمساً مراهقة».
إنها صور تتكلم بلسان زمن مأزوم، زمن فقد انسجامه الداخلي، فلم يعد قادراً على إنتاج المعنى إلا عبر شظاياه.
وهو ما يجعل القصيدة أقرب إلى مرثية للحاضر منها إلى وصف له.
ومع ذلك، لا ينتهي الثبيتي عند العدم.
فكلما أوشك نصه على السقوط في هاوية الفناء، استدار نحو إمكان آخر للحياة.
الصعلوك بوصفه وعياً مأزوماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك