ذكرت تقارير نشرتها صحف غربية أمس نقلا عن مصادر إيرانية أن النظام الايراني يتصدع، وأن هناك خلافات حادة وانقسامات بين مختلف القوى وأجنحة السلطة في النظام، وأن هذه الخلافات قد تتحول إلى صراع مفتوح.
وبحسب مصادر صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية فإن غياب المرشد الأعلى السابق الذي كان يحتكر القرار النهائي أدى إلى انفجار الخلافات داخل المعسكر المحافظ الإيراني وتفرعه إلى جناحين رئيسيين هما التيار البراجماتي الذي يضم بزشكيان وقاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر، بدعم من قيادات في الحرس الثوري.
ويدفع هذا الجناح باتجاه إبرام «صفقة كبرى» مع واشنطن، تشمل وقف إطلاق النار ورفع الحصار البحري تماما لإنقاذ الاقتصاد المتدهور.
أما الجناح الآخر فيتمثل في الأقلية المتشددة التي ترفض أي تنازلات سياسية أو نووية للإدارة الأمريكية، وتطالب بالانتقام العسكري وإطالة أمد المواجهة، متهمة الفريق التفاوضي بـ«التواطؤ والخيانة».
وقالت 4 مصادر مسؤولة في طهران لـ«نيويورك تايمز» إن قرار مجتبى خامنئي الموافقة «من حيث المبدأ» على المضي في التفاهمات مع واشنطن جاء تحت ضغوط اقتصادية حادة.
وأفادت المصادر بأن بزشكيان أبلغ المرشد الجديد في اجتماع مغلق أن الحصار البحري الأمريكي «يشل البلاد»، وأنه يعتزم الاستقالة إذا رفض الاتفاق.
كما عزز محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي هذا الموقف، برسالة تحذيرية أكد فيها أن مخزونات السلع الغذائية والطبية الأساسية تواجه خطر النفاد بحلول نهاية أغسطس المقبل، بسبب تعذر تصدير النفط وصعوبة إيجاد قنوات تجارية بديلة.
وأفضت هذه الضغوط إلى تصويت المجلس الأعلى للأمن القومي بأغلبية 12 صوتا مقابل صوت واحد صب لصالح قبول الاتفاق والبدء في محادثات مباشرة مع مسؤولين أمريكيين، من بينهم نائب الرئيس جي دي فانس.
وتزامن ذلك مع صراع على المنابر الرسمية، إذ قطع البث التلفزيوني المباشر فجأة عن قاليباف أثناء عرضه تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار، وسط هجمات متكررة يشنها التلفزيون الرسمي على الفريق المفاوض.
كما رصدت مقاطع فيديو تعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لمضايقات وهتافات معادية من زوار إيرانيين، أثناء وجوده في العراق لتنظيم الشق الخارجي من مراسم التأبين.
ونشرت صحيفة «التلجراف» البريطانية مقالا للكاتبين كسرا أعرابي وسعيد غولكار، قالا فيه إن النظام الإيراني يشهد تصاعدا في الصراع بين أجنحة السلطة، وحذرا من أن هذه الخلافات قد تتطور إلى صراع مفتوح بين النخب الحاكمة.
ويقول الكاتبان إن الصراع لا يتعلق باختلافات أيديولوجية أو برؤية متباينة لمستقبل الجمهورية الإسلامية، بل يدور حول النفوذ والمصالح السياسية والاقتصادية.
ويعرض المقال أن احتدام التنافس جاء في ظل الفراغ الذي خلفه غياب علي خامنئي، الذي كان يشكل، بحسب الكاتبين، المرجعية التي تضبط توازنات القوى بين مختلف مراكز النفوذ داخل النظام.
ويشير الكاتبان إلى أن أحدث مظاهر هذا الصراع برز داخل مجلس خبراء القيادة، بعد أن أصدر 73 عضوا من أعضائه بيانا علنيا تناول المفاوضات مع الولايات المتحدة ومذكرة التفاهم الموقعة أخيرا.
وقال الكاتبان إن البيان انتقد، بصورة غير مباشرة، أداء المجلس الأعلى للأمن القومي، معتبرا أن المسؤولين تجاوزوا «الخطوط الحمراء» التي وضعها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
ونقل المقال عن البيان قوله: «يجب على جميع المسؤولين أن يدركوا أنه في نظام ولاية الفقيه فإن رأي وتوجيهات القائد الأعلى هي الحاسمة، وبعد الاطلاع على الرأي النهائي للقائد لا يحق لأي مسؤول أن يتصرف خلافا له».
ويلفت الكاتبان إلى أن رئيس أمانة مجلس الخبراء هاشم حسيني بوشهري أعلن أنه لم يكن على علم بالبيان، مؤكدا أنه نُشر من دون تنسيق معه، رغم توقيع عدد من كبار أعضاء الأمانة عليه، وهو ما يعكس، بحسب المقال، انقساما غير مسبوق داخل أهم مؤسسة دينية في النظام.
ويؤكد الكاتبان أن مجلس خبراء القيادة يمثل مصالح المؤسسة الدينية التي ارتبط نفوذها السياسي والاقتصادي بقوة منصب المرشد الأعلى، إلا أنهما يريان أن مجتبى خامنئي لا يتمتع بالمكانة نفسها التي كان يحظى بها والده، كما أن غيابه عن المشهد العام عمّق حالة الفراغ داخل هرم السلطة.
ويشير المقال إلى أن المؤسسة الدينية تسعى إلى حماية امتيازاتها في ظل هذا الوضع، بينما مازال اسم مجتبى خامنئي يؤدي دورا في احتواء الخلافات بين الأجنحة المختلفة.
غير أن الكاتبين يعتبران أن هذا التوازن هش؛ لأن السلطة التي لا تتجسد في حضور فعلي للقائد يصعب أن تستمر في ضبط مراكز القوة.
ويختتم الكاتبان بالقول إن «تدخل مجلس الخبراء ليس مجرد حادثة معزولة، بل هو مؤشر على تغير موازين القوى الداخلية في الجمهورية الإسلامية»، إذ تتحرك المؤسسة الدينية، والشبكات المرتبطة بالحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، والأجنحة السياسية والاقتصادية، كل منها لحماية مصالحه.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك