حشود ضخمة، ووفود رسمية من دول عدة، ورسائل تؤكد أن مؤسسات الدولة ما زالت متماسكة، هكذا أرادت طهران أن يظهر المشهد في جنازة المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي، لكن خلف تلك الصورة التي سعت السلطات إلى ترسيخها، تبقى أسئلة بشأن الانقسامات داخل مراكز القرار، والتحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
وبين مشهد الحشود والضغوط الاقتصادية والسياسية، جاءت جنازة خامنئي التي تحاول طهران على مدى أيام أن تثبت من خلالها استمرارية النظام وتماسكه بعد غياب الشخصية الأكثر تأثيرًا في إيران.
غير أن هذا المشهد يفتح في الوقت نفسه باب التساؤلات بشأن ما إذا كانت الرمزية التي حملتها الجنازة قادرة على حجب التحديات التي تنتظر إيران أم أنها أخفت مؤقتًا ملفات ستعود إلى الواجهة بعد انتهاء مراسم الوداع؟وبدأت صلاة الجنازة على المرشد الأعلى الإيراني الراحل، علي خامنئي، اليوم الأحد، أمام حشد ضم مئات الآلاف من الأشخاص.
وحمل العديد من المشيعين نعش خامنئي، خارج مصلى الخميني، خلال مراسم الجنازة، فيما جرى أداء صلاة الجنازة عبر مكبرات الصوت أمام الحشود التي ردّدت الأدعية بدورها، وشوهد بعض الحاضرين وهم يمسحون دموعهم بالمناديل.
ووُضع نعش خامنئي -إلى جانب نعوش أخرى- على منصة مرتفعة في موقع صلاة الجنازة، حيث وُضع نعش أصغر حجمًا فوق بقية النعوش، وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن رجل المرجع الديني آية الله جعفر سبحاني أمّ المصلين في صلاة الجنازة على جثمان خامنئي.
وبحسب ما أفادت وكالة «إرنا» الإيرانية الرسمية للأنباء، أُقيمت صلاة الجنازة على كل من مصباح الهدى باقري كنّي وبشرى خامنئي، وزهراء محمدي كلبايكاني.
وحضر مراسم الجنازة الرئيس مسعود بزشكيان وعدد من كبار المسؤولين، من بينهم رئيس البرلمان، وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، بحسب ما أظهرته مشاهد بثها التلفزيون الرسمي.
كما أظهرت صور نشرتها وسائل الإعلام الرسمية مسؤولين يقفون في صف أمام النعش، ومن بينهم، العميد أحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري الإيراني النافذ، الذي كان ضمن الموجودين بالصف الأمامي.
وأُقيمت ثلاث صلوات على الجثامين؛ الأولى على جثمان المرشد الراحل، والثانية على نجلته بشرى خامنئي وزوجها مصباح الهدى باقري كنّي، والثالثة على حفيدته زهراء محمدي كلبايكاني.
ومن المقرر أن يبقى الجثمان مسجّى حتى مساء الأحد، قبل إعداده للموكب الجنائزي المقرر يوم الإثنين في شوارع العاصمة.
من جهتها، أعلنت السلطات في طهران يومي الأحد والإثنين عطلة رسمية، وقالت إنها تتوقع حضور ما بين 15 و20 مليون شخص في طهران وحدها.
وبعد موكب الإثنين في طهران، من المقرر أن يتوقف النعش في عدة مدن بإيران والعراق، على أن تُقام مراسم الدفن، الخميس، في مدينة مشهد، شمال شرقي إيران، مسقط رأس علي خامنئي.
وبحسب «إرنا»، سيُقام العزاء على جثمان المرشد السابق، الثلاثاء 7 يوليو/تموز، في مدينة قم المقدسة، ويوم الخميس في مدينة مشهد المقدسة، وسيوارى الثرى في مرقد الإمام الرضا.
كما ستُقام مراسم وداع وعزاء خاصة، يوم الأربعاء، في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة بالعراق.
وعلى الرغم من الهالة الكبيرة التي صنعتها إيران بخصوص هذا الحدث، فإن هناك نظرة أخرى ترى أنه مجرد مسرح لتسويق الاستقرار في البلاد على عكس الحقيقة.
وبحسب «رويترز»، فإنه بغض النظر عن مظاهر التضامن مع القيادة في طهران، يبقى من المستحيل تقييم مدى عمق الولاء الشعبي في بلد يبلغ عدد سكانه 90 مليون نسمة.
وأشارت إلى أنه قبل أسابيع من الحرب، تظاهر مئات الآلاف من الإيرانيين ضد الحكومة في احتجاجات قُمعت بعنف وأسفرت عن مقتل الآلاف.
لكن لم يظهر أي مؤشر يُذكر على وجود معارضة علنية منذ بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية.
ولفتت إلى أنه خلال الحرب، قُتل أكثر من 3000 شخص، من بينهم العديد من كبار السياسيين والقادة العسكريين الإيرانيين.
ودُمّرت قواعد عسكرية ومشاريع بنية تحتية رئيسية، مما تسبب في أضرار بمليارات الدولاراتوفي تقرير لصحفية الغارديان، فإن منظمي جنازة خامنئي يدركون أن تمجيد حياة خامنئي دون أي اعتراف بالمعاناة الاقتصادية الحالية لملايين الإيرانيين قد يثير رد فعل عنيف.
وأشار التقرير إلى أنه لم يُعرف بعد مدى إصابات مجتبى، ولم يصدر حتى الآن سوى بيانات مكتوبة، من بينها بيان نأى فيه بنفسه عن مفاوضات وقف إطلاق النار، لكنه أقرّ استمرارها.
ويُشكّل غيابه الجسدي، في ظلّ ادعاء الفصائل السياسية المتنافسة دعمه وارتفاع التضخم، ضغطًا كبيرًا على النظام السياسي الإيراني المرن والكتوم، لكن هذه الحكومة ترغب في أن يراها الغرب قوية بينما يُودّع الإيرانيون البلاد.
وذكر التقرير أنه مع ذلك، لا يزال هناك غياب كبير وعلامة استفهام بشأن الأيام المقبلة في إيران، فعلى الرغم من انتشار صور كثيرة لمجتبى خامنئي، نجل خامنئي وخليفته، وهو يسير مع والده في حديقة، في إشارة إلى استمرارية الحكم، فإنه لم يحضر جنازة والده، لإصابته بجروح بالغة في غارة أميركية إسرائيلية.
وعن هذا الغياب قالت الدكتور نسمة عبد النبي أستاذة الدراسات الإيرانية بجامعة بني سويف بمصر في تصريحات إلى الغد، إن الغياب يؤكد أنه مصاب إصابة كبيرة جدا لا تمكنه من إدارة شؤون البلاد.
وأضافت أن هناك تقارير تشير أن هذه الإصابة تمنعه من الظهور أو إدارة شؤون إيران، لكن هناك تقرير تقول إن الغياب بسبب الخوف من الاغتيال.
وذكر تقرير آخر لصحيفة الغارديان، أن مراسم الجنازة الضخمة صُممت لإيصال رسائل سياسية ودينية إلى العالم أجمع.
وأشار إلى أن المؤسسة السياسية والقضائية والعسكرية الإيرانية، التي تقلصت أعدادها، ستحضر واجب العزاء، حيث غُطي النعش بالعلم المقدس لضريح الإمام الحسين.
وبالنسبة لمنظمي الجنازات، يكمن الاختبار الحقيقي، حيث يُطلب من الإيرانيين العاديين الحضور لإظهار احترامهم ليس فقط لقائد، بل للثورة الإسلامية.
ويُشكل سياق الحرب غير المكتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل تهديدات أمنية من الإرهاب والسيطرة على الحشود.
واتسمت جنازتا المرشد الأعلى الأول، آية الله روح الله الخميني، عام 1989، وقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني عام 2020، بالفوضى، حيث كاد جثمان الخميني أن يُفقد وسط تدافع الحشود وتمزق كفنه.
وتأتي مراسم تشييع جثمان علي خامنئي وسط توترات بين القادة الإيرانيين جراء المحادثات مع الولايات المتحدة.
وبحسب «وول ستريت جورنال»، فقد كانت الخلافات واضحة في الجولة الأولى من المحادثات التي جرت في أوائل أبريل/نيسان.
وأكدت الصحيفة وجود انقسامات عميقة داخل القيادة في إيران بشأن مدى التقدم المطلوب للتوصل إلى اتفاق مع الأميركيين.
وشهد النظام السياسي في إيران صراعا بين المتشددين الذين تم تمكينهم حديثا في الحرس الثوري -القوة شبه العسكرية المكلفة بالدفاع عن النظام وإدارة الحرب- وفي أماكن أخرى من النظام السياسي، وبين كبار المسؤولين الذين يركزون بشكل أكبر على إصلاح الاقتصاد الإيراني المنهك.
وضغط القادة المتشددون في إيران بشكل متزايد على ممثليهم لعدم تقديم أي تنازلات، وقد لجأوا إلى الصحافة المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد كبيري المفاوضين الإيرانيين -رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وعراقجي- لانخراطهما في مناقشات بشأن البرنامج النووي الإيراني في الجولة الأولى من المحادثات.
ويرى تقرير لـ«رويترز»، أن حكام إيران الثيوقراطيين تمكنوا من صد حملة عسكرية أميركية، لكن مشاكلهم الحقيقية قد تكون على وشك البدء.
«في اللحظة التي تنتهي فيها الحرب، وبما أن هذه الاتفاقية المؤقتة هشة، ستبدأ المشاكل الحقيقية للمؤسسة الدينية الإيرانية»، هذا ما قاله حميد رضا عزيزي، وهو زميل زائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين.
ووصف أربعة مسؤولين إيرانيين ومسؤول سابق لوكالة رويترز الضغوط التي تواجه إيران الآن، حيث يتحول سكانها من الحرب إلى تفقد أنقاض اقتصادهم.
وقال ثلاثة من هؤلاء المسؤولين إن هناك توقعا عاما بأن أي إغاثة مالية حصلت عليها الحكومة من تعليق العقوبات أو استعادة الأصول ستستخدم لتعزيز الاقتصاد وتحسين حياة الناس.
وقال أحدهم، وهو مسؤول كبير، وصف الإيرانيين بأنهم «متعبون من الحرب والمعاناة الاقتصادية»، إن الأموال من المرجح أن توجه نحو إعادة الإعمار، وضخ السيولة للبنوك، وتقديم دعم اقتصادي أوسع.
أقرّ المسؤولون الأربعة صراحة أو ضمنا بمخاطر تجدد الاحتجاجات في حال فشلت السلطات في تحسين مستويات المعيشة.
ووصف أحدهم اتفاق إنهاء الحرب بأنه «سلاح ذو حدين» نظرا لارتفاع مستوى التوقعات الشعبية.
وقال مسؤول، وهو إصلاحي، إن المخاطر كانت مفهومة جيدا على أعلى مستويات القيادة الإيرانية، وأن هذا كان أحد الأسباب التي دفعت طهران إلى قبول الاتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز.
ويواجه الاقتصاد الإيراني تضخما مرتفعاً للغاية، وانهيارا في قيمة العملة، وبطالة واسعة النطاق، ومنذ بداية الحرب، أضرارا جسيمة في الصناعة والبنية التحتية ستكون مكلفة للغاية لإصلاحها.
«من منظور داخلي، أمام إيران الآن فرصة محدودة للسيطرة على الأوضاع الداخلية.
لطالما ركزت الولايات المتحدة على التطورات الداخلية في إيران، وما زالت تفعل ذلك»، هذا ما قاله سعيد ليلاز، الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي الإيراني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك