في كل عام تتجه الأنظار نحو المهرجانات الفنية والسينمائية التي تحتضنها السعودية، حيث تتزين السجادات الحمراء بالنجوم، وتتسابق عدسات المصورين لتوثيق الحدث، وتتصدر الأزياء والإطلالات عناوين الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي.
غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بعدد المشاهير الذين حضروا، أو حجم التغطية الإعلامية التي حظي بها المهرجان، أو الأزياء، أو الفلاشات، ويتجه التفكير نحو ما يمكن أن يبقى بعد انطفاء الأضواء ورحيل الضيوف.
فالقيمة الحقيقية لهذه المهرجانات تتحقق بما تكتسبه المواهب الصاعدة من الاحتكاك بالكوادر ذات الخبرة والتمرّس.
فهذه الفعاليات الناجحة عالمياً ينبغي أن تتحوّل إلى ورش عمل تدريبية تساعد على اكتشاف المواهب وصقلها وربطها بالفرص الحقيقية في عالم السينما.
لتوضيح الفكرة أقول إن هناك حاجة ماسّة لإعادة تعريف مفهوم الاحتكاك بالنجوم.
فالكثير من الشباب الذين يخطون أولى خطواتهم في هذا المجال ينظرون إلى حضور الفنانين العالميين باعتباره فرصة لالتقاط صورة تذكارية أو الحصول على توقيع شخصي، بينما يمكن أن يكون هذا الحضور فرصة تعليمية لا تقدر بثمن.
فالممثل الشاب الذي يستمع إلى تجربة فنان عالمي في التعامل مع الفشل والرفض والتحدّيات وأسرار المهنة قد يكتسب خلال ساعة واحدة خبرات لا توفرها أشهر طويلة من الدراسة النظرية.
ولذلك ينبغي أن تصبح اللقاءات والجلسات الحوارية جزءاً أساسياً من برامج المهرجانات وألا تقتصر على الإعلاميين والنقاد، بل تتاح أمام الشباب الراغبين في بناء مستقبل فني حقيقي.
كما يمكن استضافة مخرجين ومنتجين وممثلين محترفين قبيل فترة المهرجان أو بعدها وتنظيم برامج إرشاد مهني متخصّصة يطّلع فيها هؤلاء النجوم على مشاريع الكوادر الشابّة ويتابعون مراحل التصوير ويقدمون لهم النصائح والتوجيهات من داخل الاستوديوهات وأماكن التصوير.
فالتعلّم بالممارسة يظل أكثر تأثيراً من التعلم النظري في مجالات الإبداع التي تعتمد على الخبرة والتجربة.
ومن المهم كذلك توسيع ورش التدريب لتشمل منظومة متكاملة من كتاب السيناريو، والمخرجين، والمصورين، ومهندسي الصوت، وفنيي الإضاءة والمؤثرات البصرية، ومصمّمي الأزياء، ومديري الإنتاج، والتسويق، والتوزيع.
وكلما توسّعت المهرجانات في تقديم ورش متخصّصة ازدادت قدرتها على رفد السوق بكفاءات وطنية قادرة على سد احتياجات الصناعة المتنامية.
أما ما يسمّى بمشاريع الإنتاج المشترك وتقديم أعمال يشارك فيها فنانون سعوديون إلى جانب نظرائهم العرب فقد أثبتت فشلها عبر تجارب كثيرة، فمنذ عشرات السنين ونحن نشاهد فنانين سعوديين يشاركون في مسلسلات وأفلام عربية، ورغم التقدير لتلك التجارب إلا أن مشاركة العناصر السعودية في معظم الأحيان لم تكن تتجاوز ضيوف الشرف وفي أدوار متكررة ولأسباب تسويقية لا علاقة لها بالجانب الفني.
لذلك فإن تلك التجارب لم تنعكس على الواقع الدرامي في المملكة.
ما أريده قوله هو أن أمام الجيل الجديد فرصة على طبق من ذهب للاستفادة من الجهود المتواصلة التي يبذلها رئيس الهيئة العامة للترفيه معالي المستشار تركي آل الشيخ الذي يجتهد لتطوير السينما السعودية وتحويلها من مجرد أنشطة ثقافية إلى صناعة متكاملة تسهم في تنويع الاقتصاد وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.
فالمملكة الآن تتمتع ببنية تحتية متميزة تضم استوديوهات متطورة مثل" الحصن" و" BIG TIME" وغيرهما، وهي قادرة على تقديم أعمال سينمائية ضخمة وفق معايير عالمية.
خلاصة القول إن المهرجانات السينمائية التي تنظمها السعودية يمكن أن تتحول إلى فرصة حقيقية لإحداث نهضة غير مسبوقة في بلادنا إذا أحسنا الاستفادة منها بالشكل المطلوب، فمهرجانات مثل" كان" و" برلين" و" تورنتو" لم تحقّق مكانتها العالمية إلا لأنها أصبحت مراكز لصناعة القرار السينمائي العالمي.
والسعودية تمتلك اليوم الإمكانات المالية والاهتمام الرسمي الذي يؤهلها للسير في الاتجاه نفسه، شرط أن يكون التركيز منصباً على بناء الإنسان المبدع قبل بناء الحدث نفسه.
إذا فعلنا ذلك فسوف نرى قريبا مخرجين سعوديين ينافسون عالمياً، وكتّاب سيناريو يقدمون أعمالاً مؤثرة، وممثلين يقدّمون أعمالا مقنعة، وشركات إنتاج وطنية تقود مشاريع كبرى انطلقت فكرتها داخل تلك المهرجانات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك