يتطلب الفهم الدقيق للصراع العربي الصهيوني تجريد الكيان الصهيوني من الشعارات الدبلوماسية الزائفة التي يروج لها بين الحين والآخر، والعودة إلى جوهر المشروع الصهيوني الأيديولوجي والتوسعي.
لم تكن فلسطين قط الهدف النهائي في الفكر الصهيوني، بل كانت مجرد حجر الزاوية والنهج الجغرافي الأولي لبناء إمبراطورية إقليمية مهيمنة تُعرف في أدبياتهم باسم" إسرائيل الكبرى"يبرز هذا المشروع نفسه استنادًا إلى روايات تاريخية وأساطير دينية تم التلاعب بها بدقة وبشكل خطير لأغراض سياسية وأطماع دنيوية.
تعتمد الحركات الصهيونية ولا سيما اليمين الديني المتطرف الذي يمسك بزمام السلطة اليوم، على تفسيرات حرفية للعهد القديم، مدعية وجود" أرض موعودة" تمتد حدودها" من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق".
لا ينظر هذا البعد الأيديولوجي إلى الحدود كخطوط سياسية قابلة للتفاوض أو الترسيم الدولي، بل كواجب ديني للتوسع والسيطرة.
فهم يعتبرون التنازل عن أي جزء من هذه الأرض خطيئة دينية، وهو ما يفسر رفضهم المطلق والثابت لفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
عند دراسة هذه الطموحات على الخريطة السياسية للشرق الأوسط، نجد أن" إسرائيل الكبرى" تشمل ضم أجزاء كبيرة ذات سيادة من الدول العربية القائمة.
الأردن – في الأيدولوجية الصهيونية يُنظر إلى الأردن على أنه" الضفة الشرقية" التي يجب السيطرة عليها عسكريا أو سياسيًا.
مصر – تتركز الطموحات الصهيونية تجاه مصر في شبه جزيرة سيناء.
بغض النظر عن الأبعاد التاريخية والدينية المزعومة، لا تزال سيناء، في الفكر الأمني الصهيوني، منطقة عازلة وغنيمة ثمينة يجب السيطرة عليها.
سوريا ولبنان – يمثل الجولان السوري المحتل وجنوب لبنان هدفين حيويين ودائميين وثابتين في هذا المشروع.
فالسيطرة على هاتين المنطقتين لا تحقق أهدافًا توسعية فحسب، بل تضمن أيضًا السيطرة على موارد المياه الاستراتيجية، مثل نهري اليرموك والليطاني ومنابع جبل الشيخ، التي تشكل شريان الحياة البيولوجي والاقتصادي لمشروع الاستيطان.
(منذ سقوط نظام بشار الأسد في عام 2024، تسيطر إسرائيل على جبل الشيخ).
العراق – يمتد الخط الجغرافي المرسوم في مخيلة اليمين المتطرف إلى غرب العراق.
ويرتبط هذا الامتداد بتأمين السيطرة على خطوط أنابيب الطاقة وطرق التجارة، واضعاف أي كيان عسكري أو ثقافي في بلاد ما بين النهرين قد يشكل تهديدًا مستقبليًا للهيمنة الصهيونية.
ما يحدث اليوم في غزة والضفة الغربية من سياسات تجويع وإبادة جماعية ومحاولات تهجير قسري، ليس مجرد رد فعل عسكري مؤقت، بل هو التنفيذ العملي والتدريجي لهذه الخطة التوسعية، التي تهدف إلى إخلاء الأرض الواقعة بين النهر والبحر تمهيداً للتوسع في الدول العربية المجاورة التي ذكرتها.
إن أخطر ما في مشروع" إسرائيل الكبرى" أنه لا يعلن عن نفسه كغزو كلاسيكي، هو يعمل بمنطق" الشرائح".
يبدأ بتفريغ غزة، ثم يضغط على الضفة، ثم يبتز لبنان، ثم يروض سوريا.
كل شريحة تُسلخ على حدة حتى لا يستيقظ الإقليم كله مرة واحدة.
حولت إسرائيل مؤخراً اهتمامها إلى إيران، وشنت حربين ضدها بمساعدة الولايات المتحدة.
كان الهدف هو تغيير النظام، أو إضعافه بشدة، أو إعادته إلى" العصر الحجري" حتى لا تتمكن إيران من الدفاع عن الأراضي العربية التي هي من المقرر ضمها.
إذا نزعنا البعد الديني من الخريطة، بقيت الجغرافيا الاقتصادية.
نهر النيل، نهر الفرات، نهر اليرموك، نهر الليطاني، آبار الجولان، حقول غاز المتوسط، وأنابيب العراق.
" إسرائيل الكبرى" ليست خرافة توراتية فقط، بل هي شركة مياه وطاقة كبرى.
من يسيطر على الماء في صحراء الشرق الأوسط، يسيطر على السياسة دون أن يطلق رصاصة.
إن مشروع" إسرائيل الكبرى" لا يمكن أن يتحرك شبراً واحداً لولا وجود" مظلة دولية" تؤمن لإسرائيل ثلاث أشياء: السلاح بلا حساب، والفيتو بلا خجل، والرواية بلا مراجعة.
فكلما تقدمت الدبابة كيلومتراً في الجولان أو سيناء أو جنوب لبنان، سبقها بيان غربي يتحدث عن" حق الدفاع عن النفس".
وهكذا يتحول القانون الدولي من سقف يحمي الجميع، إلى سجادة حمراء يمشي عليها الصهيوني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك