حسنا.
إعلان استقالة وزير في الحكومة الأردنية عبر منصة تلفزيون «المملكة»، ودون «بيان رسمي شفاف» لا يمكن تأمله في سياق «السبق الصحافي» والجهد المهني الحميد في كل حال، بل باعتباره «رسالة أعمق وأبعد»، فكرتها أن فضائية «المملكة» يمكنها التحول إلى «منصة» أو لاعب سياسي عابر للحكومة ولمكتب رئيس الوزراء.
وسائل الإعلام الوطنية – المملكة منها – تلعب طبعا مثل تلك الأدوار شريطة أن تكون «ممنهجة ومؤسسية ومدروسة»، ولا علاقة لها بـ«صراعات» بين مراكز قوى داخل الحكومة، فيما الأفضل لو أتحفتنا فضائية «المملكة» ببرنامج حواري موسع يتحدث بشفافية عن «الحكاية» ويقدمها كاملة ودسمة، حرصا على «نزاهة المعلومة».
التلفزيون الرسمي الأردني هنا مجددا، تعامل مع ملف «استقالة وزير العمل خالد بكار، وكأنه «عرس عند الجيران»، وشاشة «المملكة» وقفت عند حدود «التسريبات»، وهي تبلغ الجمهور أن وزيرا استقال وآخر تم تعيينه في موقعه في الوكالة، والعملية أدارها نائب رئيس الوزراء، لأن الرئيس «في إجازة».
تم إلغاء عطاءات.
هذا ما قالته «المملكة» أيضا، دون الإجابة على سؤال أخر مهم: كيف مرت «عطاءات مشتبه بها» أصلا من كل «فلاتر الحكومة»؟ على حد علمنا ثمة «5 مؤسسات ووزارات» على الأقل وظيفتها الأساسية تقليب أوراق العطاءات.
نعم.
ثمة خشية من رائحة «تشهير» غير مبررة، وتلفزيونات الدولة عليها أن تنتبه لما يلي: «يا قوم نتحدث عن وزارة العمل، إحدى أضخم الوزارات، وفي توقيت حساس تريد فيه الحكومة تسجيل هدف في مرمى مؤسسة الضمان الاجتماعي، التي تتبع الوزارة المكلومة.
التشكيك هنا يراكم على كل النوايا، التي يغيب عنها اليقين في ملف التأمينات ورواتب التقاعد.
والمحرج أكثر هو ما لا تتحدث عنه نشرات تلفزيون «المملكة»: كيف ولماذا تتسرب «وثائق الحكومة» الداخلية بتلك الكثافة ولا يغضب كبار المسؤولين؟ !ما تقترحه شبكة «آ.
ر.
تي» التركية التلفزيونية عموما على المشاهد والمراقب العربي العودة لاستعارة المثل الشعبي الدارج في بلاد الشام «المية تكذب الغطاس».
خصصت القناة التركية ومعها نسخة أنقرة من «سي أن أن» مساحة بث واسعة لحدثين.
الأول هو الخطاب العسكري لوزير الخارجية هاكان فيدان، الذي حذر فيه إسرائيل قائلا «نجيد القتال وقد نرغب به إذا أردتم»!المشهد هنا ينعش ذاكرتنا باللقطة النادرة التي بثتها «أم بي سي»، وهي تعيد عرض فيلم «الرسالة»، حيث يظهر «أبو جهل» على كادر الشاشة قائلا للمسلمين: «تريدون حربا… حسنا سنمنحكم واحدة».
الحدث الثاني هو الخطاب المتلفز للرئيس رجب طيب أردوغان، وهو يحدث «قادة حزب العدالة الحاكم» قائلا: «أنتم الأمل الوحيد لأهل غزة».
طبعا، ودوما نصفق لـ»الندية التركية»، ونسجل للرئيس أردوغان أنه الزعيم الوحيد في العالم، الذي يعلن لفظيا التضامن مع أهل غزة، كلما دق الكوز في الجرة.
لكن مياه غزة المخلوطة بعظام الأطفال المسحوقة تحتاج للمصادقة على «كلام الغطاس التركي»، بعيدا عما بثته على الهواء المباشر القناة الإسرائيلية 14، وهي تنقل عن نتنياهو رسالة لأردوغان مضمونها «لا تتوهم أنك ستعيد إمجاد الدولة العثمانية قبل 400 عام».
سؤالان تطرحهما مياه غزة على الغطاس التركي في اختصار: بعد الأقوال الحلوة… متى وقت الأفعال؟ وما دام الحزب الحاكم لأنقره هو «الأمل الوحيد»، لماذا تستمر التجارة عبر المتوسط مع الكيان؟ضروري جدا «حتى نصدق» الاستعجال قليلا في بعض الإجراءات بدون «تريدون حربا»، لأن «الإبادة» في اختصار مستمرة، ولم تتوقف، ولأن شواطئ ومياه غزة ليست بعيدة وتنتظر الغطاسين الأتراك.
مراسلة «الجزيرة» في بيروت بثت لنا الأسبوع الماضي تقريرا عن الركام في مدينة النبطية التراثية.
تماما المشاهد نفسها، التي رصدناها في غزة: رجل مسن يحمل «صينية شاي»، ويتحدث لـ«الجزيرة»، مركز ثقافي اجتماعي تحول إلى مخزن إسمنت محطم.
حذاء طفل متروك وصاحب بقالة بلا بضائع يجلس على الرصيف دون كلام.
المشهد نقلته «الجزيرة» ويكرر ذاته: ما يفعله الإسرائيليون في أحياء ومدن قطاع غزة، التي تحولت إلى مجرد ركام يحتار العالم في نقله الآن يفعل مثله في النبطية وجنوب لبنان.
يمكن حسب خطة البلغاري الأمريكي نيوكولاي ملادينوف، «بيع الحطام والركام والتراب بأموال إنسانية مع خصومات» للدول التي تحتاج لبناء يابسة وجزر بسبب فائض المياه والسواحل!النبطية بفعل المجرم الإسرائيلي «جاهزة» أيضا للصمود وسط الركام، حيث محلات تجارية نصف مدمرة وشوارع كانت تعج بالحياة تحولت إلى أزقة أشباح ومساجد بقيت منها فقط المئذنة ومسارح بيزنطية ورومانية وإسلامية تقطعت بها السبل.
الإبادة مستمرة وتتحول إلى «صيغة متجولة».
النبطية بعد غزة وممارسات الإبادة تطل برأسها على جنوبي سورية، بعد مخيم جنين والضفة الغربية، ولاحقا لا حاضرة عربية أو إسلامية في منجاة عن تاجر الحقيبة الإسرائيلي المتجول والمتسلح في أعتى الذخائر والقنابل الأمريكية!للتذكير: الغطاس التركي صرح أن الأمن القومي يبدأ من بيروت ودمشق.
للتذكير… النبطية على بعد «مشوار» من العاصمتين.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك