في محاضرة قيّمة على" يوتيوب"، الموقع العجيب الذي يمدّنا من دون كبير عناء بالمعرفة المتنوّعة في حقول شتّى، تحدّث مختص يبدو بارعاً ومتمكّناً من أدواته عن متلازمة الاحتراق النفسي.
قال، في سياق تعريفه الحالة التي باتت ظاهرةً شائعةً في الحياة الحديثة، إنّها" استنزاف وإجهاد وإنهاك جسدي وعقلي وعاطفي، ناتجة من التعرّض المستمرّ لضغوط متكرّرة وشديدة، سواء في محيط العمل أو في الحياة الشخصية عموماً، ما يؤدّي إلى فقدان الحافز، والتدهور النفسي والجسدي والعاطفي، وإلى سرعة الاستثارة العصبية".
بمعنى أنّ الشخص المحترق نفسياً يصبح شديد العصبية، سريع الغضب، حسّاساً إلى درجة مَرضية، فاقداً السيطرة على انفعالاته عند التعرّض لأبسط المواقف، وميّالاً إلى المبالغة والتضخيم لأحداث عابرة بسيطة لا تستدعي ذلك التهويل كلّه.
غير أنّه، ولتعكّر مزاجه الدائم، لا يفكّر بالاعتذار عمّا بدر منه من حماقة.
كذلك فإنّه يؤدّي إلى لجوء الشخص إلى العزلة والصمت والتجنّب العام، فلا يعود يقوى على المجادلة والسعي إلى التأثير في الآخرين من خلال الكلام المنمّق العميق.
يزهد في النقاشات وفي العلاقات الإنسانية على اختلاف مسمّياتها، ولا يعود مكترثاً بشيء خارج حدود ذاته، ويفقد القدرة على الاستمتاع بالقيام بواجباته الوظيفية كي يتفوّق في العمل أو الدراسة، والقدرة على الاستمرار في أنشطته الاجتماعية، مثل حضور المناسبات السعيدة من حفلات زفاف لأقارب أو أعياد ميلاد لأصدقاء، حتّى إنّه يتثاقل عن أداء واجب العزاء عند موت أحد المعارف، كما كان يفعل في السابق، قبل تراكم الخيبات في روحه المُثقَلة.
ويتخلّى عن حاجته إلى الانتماء إلى المجموع، وعن رغبته في الإحساس بالتحقّق والاستماع إلى عبارات الإطراء والثناء التي كانت تطربه في الماضي، قبل أن تفقد معناها كلّياً بالنسبة إليه.
والأخطر من ذلك كلّه أنّ الاحتراق النفسي يؤدّي (بالنتيجة) إلى فقدان القدرة على التعاطف مع الآخرين، فيضيق صدره بتذمّرهم وشكواهم الدائمَين، فيمقتهم سرّاً، ويستخفّ بأوجاعهم، ولا يبدي اكتراثاً، ولو على سبيل المجاملة، ويختار الابتعاد عنهم حماية لنفسه من الضجر، ولا يفكّر في مدّ يد العون، رغم استطاعته، لأنّه بات بلا طاقة أو دافع، سجيناً لأفكاره السلبية حول ذاته، وقد فقد الثقة بنفسه، وقلّل، تحت وطأة الاحتراق، من أهمية ما أنجزه طوال حياته.
ويفرّق علم النفس بين الاحتراق النفسي، الذي غالباً ما يرتبط بالضغوط، ويشمل الإرهاق العاطفي والجسدي، والاكتئاب، الذي هو اضطراب نفسي أكثر تعقيداً ويتطلّب علاجاً طبّياً.
وهذا مطمئن، إذ إنّ إمكانية التعافي من حالة الاحتراق النفسي واردة وسهلة الحدوث، لارتباطها بالضغوط الحياتية، وهي قابلة للزوال بمجرّد الخلاص من تلك الضغوط.
من هنا، والحالة هذه، أرى، يا زميلي المحترق نفسياً، أنّ علينا غضّ النظر عن الاستعانة بالمطافئ التي، رغم إمكاناتها الفنّية واللوجستية الكُبرى في إطفاء الغابات المشتعلة، ستعجز حتماً عن إنقاذك من مغبّة الإمعان والاستسلام للاحتراق كلّياً وتماماً.
وقبل أن تفوح رائحة الشياط، لماذا لا تفكّر، يا صديقي، بالتمرّد على الحالة من خلال المواجهة الشجاعة والتصدّي لأسبابها بشجاعة، والعمل على التخلّص منها، ولتُعد الصلة، بعد منح نفسك فسحة للتأمل، مع ذاتك المرهقة ومع محيطك؟تغاضَ، بل طنّش، أيّها المحترق، عن المنغّصات، وترفّع عن كلّ ما يعكّر صفو الحياة، ولا يغب عن بالك على الدوام أنّها قصيرة وعابرة.
استثمر اللحظة، واستنفر طاقة المحبّة والفرح والعطاء والتعاطف في روحك، وقدّر تفاصيلها الصغيرة، وتمتّع بجمالياتها.
ولا تنسَ، عزيزي، أطفأ الله احتراقك المضني وأنار طريقك، أنّ غداً في ظهر الغيب، واليوم هو كلّ ما تملك.
لذلك، كفّ عن رثاء الذات، وانهض، وعانق الحياة، وشرِّع أبوابك للحياة، وتذكّر على الدوام قوله تعالى: " ولسوف يعطيك ربُّك فترضى".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك