يشهد ميدان المعركة تحولاً من القوات والخنادق إلى المعادن الحيوية والتأمين البحري والضوابط على الصادرات، وتخوض الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية جميعها على نحو متزايد معركة اقتصادية وكذلك الولايات المتحدة.
ولكي يظل حلف شمال الأطلسي «الناتو» عنصراً فاعلاً يحتاج الزعماء لاستخدام القمة المقبلة التي تعقد في العاصمة التركية أنقرة، يومَي السابع والثامن من يوليو الجاري، للبدء في إعادة هيكلة «الناتو» ليكون جوهره الأمن الاقتصادي، بحسب المحللين الاقتصاديين جوش بيرنباوم وأنطونيا لورا بوب.
وقال المحلل بيرنباوم، نائب مدير مركز القوة الاقتصادية والمالية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والمحللة لورا بوب، الباحثة في برنامج فولبرايت، ومساعدة تدريس في «كلية والش» للخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنترست» الأميركية، إنه في قمة العام الماضي تصدّر الإنفاق العسكري جدول الأعمال، وتعهد كل دولة عضو عدا إسبانيا بإنفاق 5% من دخلها القومي على الدفاع.
ولكن من المقرر أن يذهب 3.
5% فقط إلى الدفاع التقليدي، وتخصص نسبة الـ1.
5% الباقية من إجمالي الناتج المحلي لجهود التصدي والتعافي من الأزمات، وهو ما يتطلبه الأمن الاقتصادي.
وفي شهر يونيو الماضي، ضغطت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على الحلفاء في «الناتو» لإزالة معدات اتصالات من شركة «هواوي» الصينية بسبب مخاطر الهجمات السيبرانية والتجسس.
غير أن نقطة الضعف تلك تعد واحدة فقط من الكثير من النقاط.
وخلال العام الماضي، قيدت الصين، وحتى منعت صادرات العناصر الأرضية النادرة والمعادن المهمة والمغناطيسات وتكنولوجيا البطاريات، وكل هذه الأشياء حيوية للقاعدة الصناعية الدفاعية الغربية، وحذرت صناعة الفضاء والطيران والدفاع في أوروبا من أن الإنتاج يمكن أن يتوقف في حين تتزايد الطلبات.
وحدد «الناتو» 12 مادة من المواد الخام الحيوية في قطاع الدفاع، من «الجاليوم» إلى «التيتانيوم»، التي من دونها لا يمكن صناعة الذخيرة والرادارات والطائرات الحديثة، وتسيطر الصين على إمدادات معظم هذه المواد.
وإذا كان «الناتو» يقوم بإعادة تسليح نفسه، فإنه يجب الدفاع عن قاعدته الصناعية ضد الأعداء، ولا معنى لميزانيات الدفاع الكبيرة عندما يسيطر الخصوم العسكريون المحتملون على سلاسل الإمدادات التي تحول المال إلى قوة عسكرية.
ويعد الخطر ممنهجاً ومتزايداً، وفي عام 2024 أنتجت الصين نحو 30% من البضائع المصنعة عالمياً، ومع حلول عام 2030، من المتوقع أن تسيطر بكين على نسبة صادمة من كل الإنتاج الصناعي تبلغ 45%، ما يشكل قرابة نصف المواد التي يتم على أساسها بناء سلاسل الإمداد.
وتمثل ممارسات الصين المتمثلة في الإغراق في قطاع الصادرات وسرقة الملكية الفكرية، نمطاً من الحرب الاقتصادية التي تفتقر دول «الناتو» إلى دفاعات جيدة للتصدي لها.
من جهة أخرى، فإن الاتحاد الأوروبي بطيء في التحرك ومدفوع بمبدأ التوافق في الرأي وغير حاسم على نحو مؤلم، وتعتمد السياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي على أدوات غير كافية مثل أداة غير مستخدمة لمكافحة الإكراه وقانون خاص بالمواد الخام الحيوية لايزال يترك شركات الدفاع تتعثر في وجه ضوابط الصين الخاصة بالصادرات.
ويمكن أن يسد «الناتو» الاقتصادي تلك الفجوة دون الحاجة إلى ميثاق جديد أو نظام بيروقراطي ضخم.
وفي قمة يوليو، يتعين على «الناتو» أن يعطي الأولوية لمهمتين، أولاً: يتعين على الناتو أن يفرض أن ترسم الدول الأعضاء بشكل جماعي خريطة سلاسل إمداداتها الدفاعية لمعرفة المكان الذي يمكن أن يعرقل فيه أحد ضوابط الصادرات خط إنتاج لعموم أوروبا أو يترك الجنود بأسلحة دون توفر الذخيرة.
وثانياً: يتعين على «الناتو» أن يعمل على إنشاء احتياطي مشترك من المعادن الحيوية التي تم ذكرها بالفعل.
ويخزن الحلفاء الوقود والذخيرة، وفي عصر يتم فيه استخدام سلاسل الإمداد سلاحاً، يعد الجاليوم والتنغستين ذخيرة.
واختتم المحللان تقريرهما بالقول إن «الناتو» حلف دفاعي، ولكن معنى الدفاع يتغير، ويجب أن يمتد الدفاع الجماعي إلى الأسس الاقتصادية التي تدعمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك