الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، له مقولة شهيرة ذكرها فى كتابه «السياسة والمصالح» مفادها أن ما تعجز عنه السياسة لعقود، تصنعه مباراة كرة قدم فى 90 دقيقة، حيث استخدم هذا التعبير لوصف قدرة لعبة كرة القدم على تجاوز الخلافات والحدود بشكل تعجز عنه الدبلوماسية الرسمية.
هذه الفلسفة تجلت فعليا فى عدة أحداث تاريخية شهيرة من عينة «دبلوماسية البينج بونج» والتى ساهمت فى التقارب السياسى بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين عام 1971، والذى بدأ بمنافسات رياضية مهدت الطريق لزيارة الرئيس الأمريكى «ريتشارد نيكسون» إلى بكين.
أيضا أزمة ساحل العاج عام 2005، عندما ساهم بنجاح منتخب ساحل العاج لكرة القدم فى توحيد صفوف الفرقاء، وإيقاف الحرب الأهلية المشتعلة حينها، عقب تأهلهم لأول مرة فى التاريخ إلى نهائيات كأس العالم، التى أقيمت فى ألمانيا 2006.
هذه نماذج من عشرات أخرى لعبت فيها المباريات الرياضية بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص، دورا فى تهدئة التوترات وتبريد الملفات الساخنة، وإذابة جبال الجليد التى جمدت العلاقات ما بين الدول؛ لكن تبقى الظاهرة الكروية اللافتة، فى رفع التعافى الجمعى للأمتين العربية والإسلامية، ورفع منسوب التلاحم بين الشعوب، هو انتصارات منتخب مصر لكرة القدم؛ فبعد صعوده لدور الـ32 كانت الفرحة عارمة، انتقلت من أمريكا للقاهرة ثم الرياض ودبى وعمان والكويت وبغداد وسوريا، والأهم فى قلب غزة، داخل المخيمات وفوق الأنقاض.
ارتفع منسوب الفرح بشكل لافت، عند صعود المنتخب المصرى للدور الـ16 وتجاوز عقبة أستراليا؛ أفراح صادقة من القلوب، أسقطت المسافات وتجاوزت الحدود، وأنهت الخلافات، وحجبت الضوضاء السياسية، وتبين أن 400 مليون عربى ما زالوا قادرين على الفرح والتضامن، وأن فى داخلهم شيئا لم تنل منه الأزمات ولم تمزقه الحدود، وأن هناك شيئا أكبر وأعمق يحدث، للدرجة التى صدمت بعنف حكومة الكيان المحتل، وأصابته حالة من الجنون.
فرحة الوطن العربى بانتصارات منتخب مصر فى المونديال المقام بأمريكا، ترسخ مفهوم أن كرة القدم أكثر من كونها لعبة، إنها قلب نابض يدق بكل الحب والمودة، ويشيع الفرحة، فى ظل ما تمر به الأمة فى السنوات الأخيرة، من حروب ومخططات، وأزمات سياسية وحملات استقطاب ومشاحنات حادة على مواقع التواصل الاجتماعى، حتى بدا أحيانا أن العرب فقدوا قدرتهم على الوحدة والاجتماع حول أى شىء، حتى جاءت كرة القدم، وبالتحديد منتخب مصر،انتصاراته، وجدنا صورة مغايرة، واكتشفنا أن كل الجدران التى بنيت بين الشعوب، ليست بالصلابة التى تصورناها، فيكفى هدف واحد يحرزه محمد صلاح، أو ضربة جزاء يصدها مصطفى شوبير، أو هدف يحرزه إمام عاشور، يسقط كل شىء، وتعلو الفرحة الحقيقية بالانتصار من أقصاها إلى أقصاها.
فى الرياض ودبى والكويت ولبنان وسوريا وغزة، كانت الفرحة عارمة، والهتاف لمنتخب مصر، والمطالبة بتجاوز عقبة الأرجنتين، وأن ميسى، أبرز من لمست أقدامه كرة القدم، سينهار أمام المنتخب الوطنى المصرى؛ ووسط هذه الفرحة العارمة لم يسأل أحد عن خلاف قديم، أو مشادة ساخنة على السوشيال ميديا؛ فى تلك اللحظة كان التيشيرت الأحمر، عربيا، وكانت مصر تلعب نيابة عن المساحة العربية الأوسع والأشمل من حدودها.
وفى الإمارات كانت العبارة الرائعة والأكثر تلخيصا للمشهد كله، من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عندما قال، إن فرحة العرب اليوم مصرية، واصفا أداء المنتخب المصرى بالبطولى، وأشاد بروحهم القتالية، متمنيا التوفيق لكل العرب وكل الفرحة للشعوب العربية.
لم تكن العبارة تهنئة بروتوكولية، وإنما تشخيصا دقيقا لحالة الفرحة العربية الصادقة، وترسيخا لمفهوم أن الفرحة المصرية هى فرحة عربية خالصة.
أما فى غزة، فكان المشهد مختلفا، يحتاج إلى صمت طويل قبل التعبير عنه بالكتابة، شعب يعيش فى أسوأ ظروف حياتية، لم تتسلل إلى قلبه أى فرحة منذ سنوات، فتأتى الفرحة الكبيرة على يد انتصار المنتخب المصرى؛ وجدنا وجوها أنهكتها الحرب، رفعت عيونها إلى مباراة كرة قدم، أطفال وشباب ورجال يتجمعون حول الشاشات، ينتظرون لحظة الفوز، لينطلقوا فرحا وسعادة من القلب، وكأن المنتخب الفلسطينى هو الذى يخوض المباريات؛ شعب يعيش واحدة من أقسى المآسى الإنسانية، وجد لنفسه مساحة صغيرة للفرح لأن مصر انتصرت.
هذه الفرحة، ليس مطلوبا من أحد أن يفسرها، ولا أن يضعها تحت المجهر، ولا أن يسأل لماذا.
«متسألوش بتعملها إزاى».
مصر تفعلها منذ زمن بعيد، تدخل البيوت العربية، بصوت أم كلثوم مرة، وضحكة عادل إمام مرة أخرى، وهدف لمحمد صلاح، مرة ثالثة، بجانب أن المصريين يفتحون أحضانهم لكل الأشقاء، بكرم حاتم الطائى، وشموخ الأهرامات؛ هذه ليس مبالغة عاطفية، وإنما حقائق محفورة على جبين الزمن.
لهذا لا ينبغى النظر إلى ما حدث باعتباره موجة حماس عابرة، على مواقع التواصل الاجتماعى، فهناك مفهوم شهير فى علم الاجتماع الرياضى، يتعلق بقدرة الأحداث الكبرى على إنتاج مشاعر مشتركة، لحظات يشعر فيها الفرد أنه جزء من كتلة إنسانية أوسع، تشاركه الانفعال ذاته، ومن ثم فإن المنتخب المصرى فى مونديال 2026 أعاد تعريف الفرح، وترميم جزء صغير من الروح العربية، وأثبت أن اللحمة القومية لا تحتاج جهدا خارقا فى الخطابات الحماسية وإلقاء قصائد الشعر، وإصدار البيانات القوية؛ يحتاج فقط إلى 11 رجلا فى ملعب كرة قدم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك