قال رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إن ليبيا تواجه عجزاً إسكانياً كبيراً يُقدَّر بنحو 800 ألف وحدة سكنية، مؤكداً أن هذا الرقم لا يمكن التعامل معه بالأساليب التقليدية، في ظل تراكمات ممتدة شهدها قطاع الإسكان خلال السنوات الماضية.
وجاءت تصريحات الدبيبة خلال مشاركته في" الحوارية الوطنية للإسكان والتمويل العقاري" التي نظمتها وزارة الإسكان والتعمير، اليوم الاثنين، في طرابلس، حيث قدّم تصوراً لهيكل الطلب السكني في البلاد، مقسّماً الأسر الليبية إلى ثلاث شرائح:الأولى (15%) قادرة على البناء الذاتي.
الثانية (15%) قادرة على شراء مساكن من السوق.
الشريحة الثالثة (70%) الفئة الأكثر حاجة إلى دعم وتمويل عقاري طويل الأجل بشروط ميسّرة.
وأوضح أن الحكومة تعمل على تنفيذ البرنامج الوطني للإسكان والتطوير العقاري، الذي يركّز في مرحلته الأولى على استكمال نحو 150 ألف وحدة سكنية غير مكتملة أو متوقفة، موزعة على مختلف المناطق، وتابعة لجهات حكومية من بينها جهاز تنفيذ مشروعات الإسكان والمرافق، ومصرف الادخار والاستثمار العقاري، إلى جانب مؤسسات أخرى ذات صلة بالقطاع.
وأضاف أن الحكومة تعتزم تخصيص 10% من هذه الوحدات لصالح الفئات الأكثر احتياجاً، عبر تمويل مباشر من الدولة، ضمن توجه يهدف إلى معالجة جزء من العجز المتراكم.
كما أشار إلى العمل مع مصرف ليبيا المركزي على إعداد اتفاقية إطارية لتأسيس منظومة وطنية مستدامة للتمويل العقاري، بما يتيح تطوير أدوات تمويل طويلة الأجل، وتنظيم السوق العقارية، وتحفيز مشاركة القطاع الخاص في مشاريع الإسكان.
وشهدت أعمال" الحوارية الوطنية للإسكان والتمويل العقاري" حضوراً موسّعاً ضمّ محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، إلى جانب رؤساء ومديري المصارف والمؤسسات المالية، ومستثمرين ومطورين عقاريين وخبراء في القطاع، في مؤشر على اتساع دائرة النقاش حول ملف الإسكان.
وأكد المشاركون أن ملف الإسكان في ليبيا لم يعد يُنظر إليه باعتباره قضية خدمية تقليدية، بل تحوّل إلى ملف اقتصادي واجتماعي يرتبط مباشرة باستقرار الأسرة الليبية، مع دعوات إلى الانتقال من المعالجات الجزئية إلى صياغة سياسة وطنية شاملة طويلة المدى.
وفي هذا السياق، برز توجه حكومي نحو إنشاء منظومة متكاملة للإسكان والتمويل العقاري تقوم على الشراكة بين الدولة والمصارف والقطاع الخاص، بهدف معالجة العجز السكني المتراكم، وتوسيع فرص التملك، وتحفيز الاستثمار في القطاع العقاري.
كما أعلنت الفعالية عن إعداد" الكود الليبي للبناء"، الهادف إلى توحيد المعايير الفنية والهندسية للبناء في مختلف المدن الليبية، بما يرفع جودة التنفيذ، ويعزز تنظيم النمو العمراني، ويحدّ من الفوضى العمرانية التي شهدتها بعض المناطق خلال السنوات الماضية.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير لوزارة الإسكان والتعمير أن ليبيا تحتاج إلى نحو 1.
171 مليون وحدة سكنية خلال السنوات العشر المقبلة، بتكلفة تقدَّر بما يتجاوز 200 مليار دينار (بسعر صرف 6.
3 دنانير للدولار)، وفقاً للإحصاءات الرسمية المعتمدة، في تأكيد إضافي لحجم الفجوة السكنية التي تعاني منها البلاد.
وتعاني ليبيا من عجز سكني متراكم يعود إلى عقود من ضعف التخطيط الحضري وتوقف المشاريع الإسكانية الكبرى، إضافة إلى عدم استكمال آلاف الوحدات السكنية التي أُطلقت قبل عام 2011.
وقد أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين الطلب والعرض، خصوصاً في المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغازي.
وشهدت ليبيا خلال العقدين الأخيرين توسعاً سكانياً ملحوظاً، تزامن مع تركّز السكان في المدن الساحلية، ما أدى إلى ضغط متزايد على البنية التحتية وارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، في ظل محدودية المخططات السكنية الحديثة وضعف أدوات التنظيم العمراني.
وفي موازاة أزمة العجز السكني، شهدت السوق العقارية في ليبيا ارتفاعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، إذ وصل سعر الاستوديو في ضواحي طرابلس إلى نحو 150 ألف دينار، مقارنة بنحو 50 ألف دينار قبل عدة سنوات فقط.
كما تتراوح أسعار الشقق السكنية الجديدة خلال عام 2026 بين 230 ألفاً و275 ألف دينار، بينما قد تصل بعض الوحدات الحديثة إلى نحو مليون دينار في المشاريع الفاخرة، في حين تُعرض منازل أرضية بأسعار تقارب 350 ألف دينار (بسعر صرف 6.
3 دنانير للدولار).
ولا تزال آلاف الوحدات السكنية غير المكتملة تمثل أحد أبرز مظاهر الأزمة، نتيجة توقف مشاريع حكومية كبرى وتعثر التمويل وتغيّر الأولويات بعد عام 2011.
ويُنظر إلى استكمال هذه المشاريع باعتباره أحد أسرع الحلول لتقليص العجز مقارنة بإطلاق مشاريع جديدة بالكامل.
وتتحرك السوق العقارية في ليبيا تحت ضغط مزدوج، يتمثل في نقص المعروض من الوحدات السكنية من جهة، وارتفاع تكلفة البناء وتراجع القوة الشرائية من جهة أخرى، ما يخلق فجوة سعرية متزايدة تعمّق الأزمة الإسكانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك