فتحت قضية المهاجم فلوران بالوغون باباً للجدل حول إمكانية تداخل السياسة مع لعبة كرة القدم، بعدما قرّرت لجنة الانضباط في الاتحاد الدولي" فيفا" تعليق عقوبة إيقافه والسماح له بالمشاركة أمام بلجيكا في ثمن النهائي، تزامناً مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالة شكر عبر حسابه في منصة" تروث سوشيل"، مشيراً إلى أن" فيفا" صحّح" ظلماً جسيماً"، في الوقت الذي كشفت فيه صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن رئيس الاتحاد الدولي للعبة السويسري، جياني إنفانتينو، تلقى اتصالاً من ترامب بالفعل قبل أيام من إلغاء القرار، إضافة إلى أنّ فريقاً قانونياً شُكّل للطعن في البطاقة الحمراء.
ووسط هذا الجدل أكد الصحافي البريطاني بن جاكوبس على حسابه في منصة" إكس" أن البيت الأبيض أجرى فعلاً اتصالاً مباشراً مع فيفا، الذي أحال القرار إلى اللجنة الانضباطية المستقلة، والتي شدّدت بدورها على أنّ أي تدخل من البيت الأبيض لا يُمكن له التأثير على قرارها المستقل.
ويُعد هذا التراجع عن القرار أمراً غير مألوف، وإن لم يكن الأول من نوعه في الآونة الأخيرة، بعدما سمح لكريستيانو رونالدو باللعب مع منتخب البرتغال، رغم إيقافه لثلاث مباريات بسبب بطاقة حمراء من مباراة في التصفيات ضد أيرلندا، لكن التاريخ شهد على قصص عرفت تدخلات سياسية لتغيير قرارات رياضية من دون تبني وتأكيد قصة تأثير ترامب على الأحداث الأخيرة.
في صيف عام 1934، امتلأت الملاعب في جميع أنحاء إيطاليا بالجماهير التي استقبلت المنتخب المضيف بتحية فاشية، وانتشرت في الشوارع صور الديكتاتور بينيتو موسيليني، الذي عزم على استغلال الحدث كمنصة دعائية مثالية، لكن ذلك لم يكن الأهم على مستوى لعبة كرة القدم، ففي طريق الأزوري إلى النهائي وحمل اللقب، أثارت العديد من اللحظات الجدل بحسب ما تروي شبكة" سكاي سبورتس"، إذ كانت مباراة ربع النهائي أمام إسبانيا الأعنف في التاريخ، وفي النهائي التقى الأزوري بتشيكوسلوفاكيا على ملعب" ستاديو نازيونالي بي إن إف" في روما، أمام حشد جماهيري بلغ 55 ألف متفرج، كان موسوليني نفسه من ضمنهم، وتقدّم الزوار في النتيجة، لكن إيطاليا عادلت الكفّة قبل أن يسجل أنجيلو سكيافيو هدف الفوز في الوقت الإضافي ليمنح أصحاب الأرض الفوز بنتيجة 2-1.
ووفقاً للمصدر عينه كان من المستحيل تجاهل الشكوك التي خيمت على هذه النتيجة، إذ انتشرت مزاعم بأن موسوليني قد التقى شخصياً بالحكام قبل مباريات إيطاليا، في حين واجه الحكم السويدي إيفان إكليند، الذي أدار اللقاء الختامي، اتهامات بالتحيز لأصحاب الأرض طوال الدقائق التسعين، في الوقت الذي احتجّ فيه اللاعبون والمسؤولون التشيكوسلوفاكيون على عدم معاقبة الخصم عقب المخالفات الصارخة وتجاهل ركلتي جزاء واضحتَين، لتصف صحافة براغ التحكيم بالفضيحة.
في نهاية المطاف لم يجرِ التوصل إلى دليل قاطع على التلاعب بنتائج المباريات، ولم يتخذ" فيفا" أي إجراء، لكن الشكوك بأن فوز إيطاليا كان مدفوعاً بالضغوط السياسية بقدر ما كان مرتبطاً بالكفاءة الكروية، التي كانت واضحة أيضاً.
وتجلّت القرارات السياسية بقوة في كأس العالم 1938 قبل الحرب العالمية الثانية، حين أجبر أدولف هتلر خمسة نجوم نمساويين أساسيين على اللعب مع المنتخب الألماني النازي، وذلك بعد 3 أشهر فقط من غزو النمسا خلال عملية" الأنشلوس"، وبذلك أجبر زملاء ماتياس سينديلار على الانسحاب من المونديال بالقوة، لكن الأخير رفض تمثيل البلد الذي احتلّ أرض أجداده، حين ادعى أنّه غير قادرٍ على اللعب بحجة تقدّمه في السن (35 عاماً)، وفقاً لتوثيقات موقع" هيستوري".
في نهاية الأمر ربما دفع" الرجل الورقي" حياته ثمناً لذلك، حين وجد ميتاً في شقته بفيينا إلى جانب صديقته نتيجة التسمم بأول أكسيد الكربون، ووفقاً لفيلم وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية" بي بي سي"، ربما مات على يد الشرطة السرية الألمانية بحسب رواية بعض أصدقائه.
ويقول ستانيسلاو بوغليسي، أستاذ التاريخ في جامعة هوفسترا والمؤلف المشارك لكتاب" كرة القدم وحدود التاريخ: دراسات نقدية في كرة القدم"، إنّ تلك الأنظمة الشمولية نظرت إلى الأحداث الرياضية بطريقة مختلفة: " لم تكن الرياضة يوماً بمنأى عن السياسة.
لدينا هذا الوهم المثالي، وهو أنّه سيكون من الجيد فصلهما، لكن هذا لن يحدث أبداً".
ولعلّ أبرز حالة مشابهة لقضية بالوغون، هي تلك التي حصلت في مونديال 1962، يوم سُمح لأسطورة البرازيل غارينتشا في لعب المباراة النهائية رغم طرده في المربع الذهبي، أي قبل ثماني سنوات من تطبيق فيفا للنظام المعمول به حالياً.
المثير في الأمر بحسب شبكة" فوكس سبورت" أنّ الرئيس التشيلي خورخي أليساندري شارك في توقيع عريضة تطالب الفيفا بالسماح له باللعب، أما الحكومة البرازيلية لم تقف مكتوفة الأيدي، إذ أرسل رئيس الوزراء آنذاك تانكريدو نيفيس (أصبح رئيساً للبلاد لاحقاً) برقية رسمية بهدف الضغط على المسؤولين للحصول على العفو.
كما لعب اتصال الرئيس البيروفي مانويل برادو أوغارتيتشي شخصياً بالحكم للتقليل من شأن الحادثة دوراً مهماً، إذ كان الاتحاد الدولي ينتظر سماع كلماته لاتخاذ قراره، أما حكم الراية الأوروغوياني إستيبان مارينو، فقد اختفى عندما استدعته لجنة الانضباط، حين غادر تشيلي من دون العثور عليه، وهنا يشير موقع" ياهو" إلى أن الاتحاد البرازيلي قدّم له رشوة بقيمة 10 آلاف دولار.
أما مونديال 1978، وتحديداً في حقبة حكم الديكتاتور العسكري خورخي رافائيل فيديلا، كانت الصورة ربما جلية هي الأخرى على وجود تدخلات سياسية مباشرة، إذ تسبب الرجل بالمناسبة في أعمال تعذيب وقتل طاولت ما بين 15 و30 ألف مواطن بجوار ملعب" إل المونومونتال" أحد أكبر ملاعب الأرجنتين، وبالقرب من مدرسة البحرية للميكانيكا التي احتجز فيها 5 آلاف سجين.
وعلى الرغم من العنف السياسي وعدم الاستقرار الذي كان سائداً، اجتاز المنتخب الأرجنتيني دور المجموعات الأول بسهولة نسبية، وفي دور المجموعات الثاني، آنذاك، كان هناك دوران للمجموعات يتبعهما نهائي، وتوجب على التانغو الفوز بعدها أمام بيرو بفارق ثلاثة أهداف أو أكثر للتأهل إلى النهائي بدلاً من البرازيل، وهنا ظهرت بعض الاتهامات بالتلاعب.
فبحسب صحيفة صنداي تايمز، قبل المباراة، شحنت الحكومة الأرجنتينية 35 ألف طن من الحبوب إلى بيرو، وأفرج البنك المركزي الأرجنتيني عن 50 مليون دولار أميركي من الأصول البيروفية المجمدة، علاوة على ذلك، زار الجنرال فيديلا غرفة ملابس المنتخب البيروفي قبل المباراة، ما زاد من الشكوك، وفعلاً فازت الأرجنتين بنتيجة 6-0، ثم انتصرت في المباراة النهائية على هولندا في الوقت الإضافي، وفي عام 2012 صرّح السيناتور البيروفي السابق، جينارو ليديسما، بأنه جرى التوصل إلى اتفاق بين الرئيس، فرانسيسكو بيرموديز، وفيديلا، لتسهيل انتصار الأرجنتين، مقابل موافقة النظام القمعي على استقبال وسجن 13 معارضاً سياسياً بيروفياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك