منتصف العام.
ليس موعدًا لمحاسبة نفسك بل لمصالحتهافي منتصف الطريق، يحدث شيء غريب.
لا ننظر إلى الأشهر التي مضت باعتبارها حياةً عشناها، بل باعتبارها قائمةً طويلة من الأشياء التي لم ننجزها.
نفتح دفاتر الأهداف، نراجع القرارات، ونقارن أنفسنا بصورة رسمناها في بداية العام، ثم نحكم على أنفسنا بقسوة، وكأن الإنسان آلة إنتاج لا قلب له، ولا ظروف، ولا انكسارات.
لكن.
ماذا لو كان نصف العام الذي تظنه ضائعًا، هو في الحقيقة أكثر الفترات التي نضجت فيها؟ماذا لو كانت أعظم إنجازاتك لم تُكتب في مفكرة، ولم تُعلّق على جدار، ولم يصفق لها أحد؟ربما كان إنجازك الحقيقي أنك نجوت من مرحلة ظننت أنها ستكسرك.
وربما كان انتصارك أنك أغلقت بابًا كان يستنزف روحك، أو سامحت شخصًا دون أن تنتظر اعتذارًا، أو تعلمت أن تقول" لا" بعد سنوات من إرضاء الجميع على حساب نفسك.
هناك معارك لا يراها الناس، لكنها تترك في أرواحنا أوسمة لا تمنحها الجامعات، ولا الشركات، ولا المناصب.
فكم من شخص يبدو للآخرين أنه لم يحقق شيئًا هذا العام، بينما هو في داخله أعاد بناء نفسه حجرًا فوق حجر، بعد أن هدمتها الحياة مرات عديدة.
لسنا مطالبين أن نكون في سباق دائم مع الزمن.
فالزمن لا يصفق للأسرع، بل ينصف من استمر رغم التعب، ومن نهض بعد كل سقوط، ومن حافظ على إنسانيته في زمن أصبحت فيه القسوة تُفسَّر على أنها قوة.
منتصف العام ليس إعلانًا للفشل، وليس جرس إنذار بأن الوقت قد انتهى.
بل هو فرصة هادئة لنقف مع أنفسنا، لا ضدها.
أن نسأل: ماذا تعلمنا؟ ومن أصبحنا؟ وما الذي يجب أن نتركه خلفنا قبل أن نعبر إلى النصف الثاني من العام؟فبعض الأحلام تحتاج وقتًا أطول لتنضج.
وبعض الأمنيات لا تتحقق إلا بعد أن يتغير صاحبها من الداخل.
وأحيانًا، يكون التأخير رحمة، لأن النسخة القديمة منا لم تكن مستعدة لتحمل النعمة التي كانت تطلبها.
لذلك، لا تجعل منتصف العام محطةً لجلد الذات، ولا مناسبةً لمقارنة حياتك بحياة الآخرين.
فما تراه على الشاشات ليس الحقيقة كاملة، ولكل إنسان قصة لا تُروى، وأعباء لا تُنشر، ودموع لا تظهر في الصور.
اشكرها لأنها قاومت، وابتسمت رغم التعب، وحملت مسؤولياتها، وأكملت الطريق حتى عندما لم يكن أحد يصفق لها.
ليس لأن العام أوشك أن ينتهي، بل لأن الحياة تمنحنا كل صباح حقًا جديدًا في البداية.
فلا تخف إن تأخر حصادك، ولا تحزن إن كانت خطواتك أبطأ من غيرك.
فالورود لا تتفتح في اليوم نفسه، والنجوم لا تظهر كلها في ساعة واحدة، وكل إنسان له توقيته الذي كتبه الله له.
ولعل أجمل ما يمكن أن تهديه لنفسك في منتصف هذا العام، ألا تسألها: " لماذا لم تنجزي أكثر؟ "" كم مرة سقطتِ.
ومع ذلك نهضتِ؟ "فهناك فرق كبير بين من أنهى نصف عام بالأرقام، ومن أنهى نصف عام بقلب أكثر حكمة، وروح أكثر سلامًا، ونفس أكثر قربًا من الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك