اعتبر ناجي حرج، المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة، حملة رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي لمحاربة الفساد بأنها تبقى" خطوة مهمة لأنها كسرت حاجز الخوف والصمت في إمكانية محاسبة الفاسدين مهما كانت الهالة التي يحيطون أنفسهم بها، والحصانة البرلمانية أو السياسية التي يتمتعون بها"، وشخّص الفساد باعتباره" ليس سرقة أموال، وليس مجرد رشى فردية، بل إن الفساد في العراق، يأخذ شكل شبكة من أصحاب المصالح المشتركة، أحزاب تسيطر على وزارات ومنافذ وعقود، وفصائل مسلحة تملك نفوذاً أمنياً واقتصادياً، وحصانات سياسية وبرلمانية، وقضاء وأجهزة رقابة تتعرض لضغطٍ سياسي".
مؤكداً أن" الفساد يحوّل المال العام من خدمة المواطن إلى تمويل زبائنية سياسية وسلاح ونفوذ خاص".
وتساءل حرج في حوار مع شبكة رووداو الإعلامية، اليوم الإثنين، (6 تموز 2026)، قائلاً: " إذا كانت حملة مكافحة الفساد جادة، فإن السؤال الأكبر لا يتعلق فقط بمن جرى اعتقالهم، بل بمن لم تقترب منهم الدولة حتى الآن.
أين قادة الأحزاب؟ أين زعماء الميليشيات؟ أين أصحاب النفوذ الذين يسيطرون على العقود والمنافذ والمصارف والوزارات؟ "، منبهاً إلى أن" العراق، دولياً، على قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، ولذلك فإن أية إجراءات جدية لمحاربة الفساد، قد تساعد على تحسين موقعه وصورته عالمياً".
رووداو: كيف تنظرون إلى حملة، رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، لمحاربة الفساد؟ناجي حرج: على الرغم من كل التساؤلات المشروعة عن مدى جدية الحملة، وفيما إذا كانت حقيقة أم استعراضية، إلا أن هذه الخطوة تبقى مهمة لأنها كسرت حاجز الخوف والصمت في إمكانية محاسبة الفاسدين مهما كانت الهالة التي يحيطون أنفسهم بها، والحصانة البرلمانية أو السياسية التي يتمتعون بها.
فالخطوة، تبعث رسالة واضحة بأن المال العام ليس بلا صاحب، وأن المنصب السياسي أو الإداري لن يقي الفاسدين من المحاسبة.
لذلك فإن اعتقال نواب ووكلاء وزارة ومدراء عامين، يمكن أن يشكل بداية لاستعادة ثقة المواطنين بالدولة وبفكرة العدالة.
وتكمن أهمية هذه الإجراءات أيضاً في أنها تضع ملف الفساد في مركز الاهتمام الوطني، وتدفع الرأي العام إلى المطالبة بالمزيد: ليس فقط محاسبة الموظفين الصغار أو المتوسطين، بل الوصول إلى الشبكات الكبرى التي خططت وسهّلت وحمت عمليات السرقة.
فالخطوة الأولى قد لا تكون كافية، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تمتلك الدولة الإرادة للذهاب إلى النهاية؟رووداو: هناك من يعتقد أن الحملة جاءت لإرضاء الإدارة الأميركية خاصة وأن الزيدي سيقابل الرئيس ترمب منتصف هذا الشهر في واشنطن؟ناجي حرج: نعم، هنالك نقاش وتفاعل في الشارع العراقي على ما يبدو بخصوص هذه الفرضية، خاصة مع اهتمام واشنطن بالإصلاح في العراق، وصدور تقارير عدة من مؤسسات أميركية فاعلة عن ضرورة محاسبة الفساد.
والحقيقة، لا يمكن الجزم بأن الحملة جاءت فقط لإرضاء واشنطن، لكن توقيتها يجعل السؤال مشروعاً.
فالزيارة المرتقبة إلى الولايات المتحدة تأتي في لحظة يريد فيها الزيدي أن يقدم نفسه بصفته رئيس حكومة قادراً على الإصلاح، وضبط مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد، وفتح الباب أمام الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية.
ومن الطبيعي أن تهتم واشنطن بملفات مثل الشفافية، والنظام المالي، وتهريب الأموال، ونفوذ الجماعات المسلحة، وبيئة الاستثمار في العراق.
ومن هذه الزاوية، قد تكون الحملة رسالة مزدوجة: رسالة إلى الداخل العراقي بأن الحكومة تتحرك ضد الفساد، ورسالة إلى الخارج، وخاصة الولايات المتحدة، بأن العراق مستعد لإصلاح مؤسساته وتقديم ضماناتٍ سياسية واقتصادية للشركاء الدوليين.
لكن قيمة هذه الرسالة لا تقاس بما تقوله الحكومة قبل الزيارة، بل بما ستفعله بعدها.
رووداو: هل محاربة الفساد في نظركم مجرد إلقاء القبض على الفاسدين واسترجاع بعض الأموال المسروقة أم يجب أن يشمل حل الفصائل المسلحة والسيطرة على السلاح المنفلت؟ناجي حرج: الفساد هو ليس سرقة أموال، وليس مجرد رشى فردية، بل إن الفساد في العراق، يأخذ شكل شبكة من أصحاب المصالح المشتركة، أحزاب تسيطر على وزارات ومنافذ وعقود، وفصائل مسلحة تملك نفوذاً أمنياً واقتصادياً، وحصانات سياسية وبرلمانية، وقضاء وأجهزة رقابة تتعرض لضغطٍ سياسي.
وبحسب التقارير الصادرة عن الأوضاع في العراق، فإن السلاح المنفلت قد ساهم في استقواء بعضٍ والتحصن بذرائع وحجج شتى للبقاء بعيداً عن المساءلة.
لكن الأيام والأسابيع القادمة قد تحمل أجوبة أكثر وضوحاً عن ذلك.
ما ينبغي أن يطالب به العراقيون الآن هو: نشر بيانات دورية عن القضايا، إعلان قيمة الأموال المصادرة والمستردة، فتح ملفات العقود الكبرى لا الملفات الصغيرة فقط، حماية المبلغين والصحفيين، تمكين القضاء وهيئة النزاهة من العمل دون ضغط حزبي، وطلب مساعدة دولية جدية لتتبع الأموال في الخارج.
فقد أطلق العراق مؤخراً تقريراً عملياً حول استرداد الأصول بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، UNDP، مبنياً على مراجعة مئات القضايا الجنائية والمدنية، وهذا يؤكد أن استعادة الأموال المنهوبة يجب أن تكون جزءاً مركزياً من أي حملة لا مجرد اعتقالات.
رووداو: بحسب العراقيين فإن الحملة لم تشمل (حيتان الفساد) خاصة قادة الأحزاب الشيعية والسنية وأنها اقتصرت حتى الآن على شخصيات ضعيفة سياسياً؟ناجي حرج: من المتابعات اليوم نسجل تساؤلات مشروعة في هذا السياق، ومن أهمها أنه إذا كانت حملة مكافحة الفساد جادة، فإن السؤال الأكبر لا يتعلق فقط بمن جرى اعتقالهم، بل بمن لم تقترب منهم الدولة حتى الآن.
فالشعب يرى نواباً ووكلاء وزارات ومدراء عامين يحالون إلى التحقيق، لكنه يتساءل: أين قادة الأحزاب؟ أين زعماء الميليشيات؟ أين أصحاب النفوذ الذين يسيطرون على العقود والمنافذ والمصارف والوزارات؟ ولماذا تبدو يد القانون طويلة على بعض الموظفين، وقصيرة أمام شبكات الفساد الكبرى؟
لذلك، فإن" السكوت على الكبار" ليس مجرد ملاحظة سياسية، إنه اختبار لهيبة الدولة.
فإذا بقي كبار المتنفذين خارج التحقيق، فستتحول مكافحة الفساد إلى حملة انتقائية تطال الضعفاء أو الخصوم، وتترك البنية الحقيقية للفساد كما هي.
أما إذا مُنح القضاء وهيئة النزاهة غطاءً قانونياً وسياسياً كاملاً، وجرى إلزام الجميع بكشف الذمة المالية، ورفع الحصانات عند وجود أدلة، وحماية المبلغين، وتنفيذ أوامر القبض بحق أي شخص مهما كان حزبه أو سلاحه أو منصبه، عندها فقط يمكن القول إن الدولة بدأت فعلاً بمواجهة الفساد لا بإدارته.
لذلك قد يكون بدء الحملات بالطبقة الوسطى من المسؤولين جاء لأنها أسهل قانونياً وأقل كلفة سياسياً، بينما ملاحقة القيادات الكبيرة تحتاج إجراءات أكثر تعقيداً، ولربما دعماً خارجياً، كذلك حماية للقضاة والمحققين والشهود، واستقلالاً حقيقياً لأجهزة النزاهة والقضاء.
تقارير رقابية ومدنية عن العراق تشير إلى أن تطبيق قوانين مكافحة الفساد يتأثر بالتدخل السياسي وضعف الشفافية ونقص الحماية للمبلغين.
لكن هذه الحجج لا تبرر الانتقائية.
أي حملة لا تشمل كبار المتنفذين ستبدو للرأي العام إما تصفية حسابات أو حملة دعائية.
معيار الجدية هو أن تكون الملاحقة مبنية على أدلة، ومعلنة ضمن حدود القانون، وتشمل كل الأطراف بلا استثناء: وزراء سابقين وحاليين، قادة كتل، مسؤولين عن المنافذ والضرائب والجمارك والنفط والمصارف، وشبكات العقود الوهمية والرواتب الفضائية وتهريب العملة والنفط.
والخلاصة، إن الخطوة جيدة إذا كانت بداية، وخطيرة إذا كانت نهاية انتقائية.
مكافحة الفساد الحقيقية تعني كسر الحصانة السياسية والميليشياوية، لا الاكتفاء بمن هم أقل نفوذاً.
وهي التزام دولي على العراق، وواجب دستوري وأخلاقي، وشرط مباشر لحماية حقوق المواطنين وكرامتهم.
رووداو: هل ستؤثر هذه الحملة على موقع العراق في قائمة البلدان التي تعاني الفساد، سلبياً أم إيجابياً؟ناجي حرج: دولياً، العراق على قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، ولذلك فإن أية إجراءات جدية قد تساعد على تحسين موقعه وصورته عالمياً.
كما أنه طرفٌ في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد؛ حيث صادق عليها في (17 آذار 2008)، وهي الإطار الدولي الأهم في هذا السياق.
والاتفاقية تلزم الدول بمنظومةٍ متكاملة: الوقاية، تجريم الرشوة والاختلاس وغسيل الأموال، التعاون القضائي الدولي، وتسليم واسترداد الأموال المنهوبة.
وتشمل الالتزامات العملية: إلزام كبار الموظفين بكشف الذمة المالية، منع وجود تنازع بالمصالح Conflict of interest، شفافية التعيينات والعقود العامة، استقلال هيئات الرقابة، حماية المبلغين والشهود.
كما تساعد على تتبع الأموال داخل العراق وخارجه، والتعاون مع الدول والبنوك الأجنبية لاسترداد الأصول.
لذلك فإن مواصلة إجراءات مكافحة الفساد هي التزام دولي تأخر العراق في تنفيذه، والحكومة ملزمة بمواصلة ذلك قانوناً.
الأهم أن مكافحة الفساد ليست قضية إدارية فقط، هي قضية حقوق إنسان.
عندما تسرق أموال الدولة، تسلب حقوق الناس في الكهرباء والماء والصحة والتعليم والسكن والعمل والضمان الاجتماعي.
الفساد يحوّل المال العام من خدمة المواطن إلى تمويل زبائنية سياسية وسلاح ونفوذ خاص.
لذلك فإن حق المواطن لا يقتصر على رؤية" صور الأموال المضبوطة"، بل يشمل معرفة: من سرق؟ كيف سرقت الأموال؟ من سهّل؟ أين ذهبت؟ كم استرد؟ وهل أعيد المال إلى الموازنة والخدمات؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك