وصل سعر عملة بيتكوين الرقمية، في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 إلى 126.
210 دولارات، إلا أن العملة الأكثر شهرة في العالم هبطت بأكثر من 50% منذ ذلك الحين، لتحوم يوم أمس الاثنين حول 62.
8 ألف دولار، فيما تمتد تأثيراتها إلى سائر مجتمع العملات المشفرة.
لا يوجد تفسير واحد بسيط لعمليات البيع المكثفة، لكن من الواضح أنه توجد أزمة، إذ لم تعد الضغوط مرتبطة بحركة العرض والطلب على" بيتكوين" وحدها، ولا بموجات المضاربة التي اعتادها المستثمرون في هذا القطاع المشفر شديد التقلب، فبين قرارات سعر الفائدة الأميركية، والجدل المتصاعد حول أرباح الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مشاريع كريبتو مرتبطة به وبعائلته، تبدو السوق أمام اختبار مزدوج: اختبار السعر واختبار الثقة.
في حديث إلى" العربي الجديد" يقول توماس بروبست، محلل الأبحاث في شركة كايكو (Kaiko) المتخصصة في بيانات أسواق الكريبتو، إن أوضح التحولات في نشاط" بيتكوين" خلال عام 2026 ارتبطت بحدثين رئيسيين: تعيين كيفن وورش في 29 يناير/كانون الثاني رئيساً لمجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي، بالتزامن مع قرار جيروم باول وقف خفض أسعار الفائدة، ثم إعلان شركة استراتيجي (Strategy) في أوائل يونيو/حزيران بيعها حيازات من" بيتكوين".
ويوضح بروبست أن أحجام تداول" بيتكوين" ارتفعت بقوة حول هذه الأحداث، خصوصاً في أواخر يناير/كانون الثاني، بينما ضعفت السيولة، إذ انكمش متوسط عمق السوق عند مستوى 1%، وارتفعت التقلبات بعد محفز يناير/كانون الثاني، ثم عادت إلى الارتفاع عقب موجة البيع في أوائل يونيو/حزيران.
وبرأيه، كان هذان الحدثان الأكثر تأثيراً ووضوحاً في حركة" بيتكوين" خلال العام.
تجعل هذه القراءة هبوط" بيتكوين" أكثر تعقيداً من اختزاله في عامل سياسي واحد، فترامب ليس وحده سبب تراجع السوق، لكن دخوله التجاري والسياسي إلى الكريبتو يضيف إلى ضغوط الفائدة والسيولة أزمة ثقة أوسع.
وفق بروبست، تبقى" بيتكوين" أحد المحركات الرئيسية لسوق العملات المشفّرة، وهو ما تظهره الارتباطات الإيجابية القوية بينها وبين أصول كبرى مثل" إيثريوم" و" سولانا" و" إكس آر بي".
ويضيف أن أداء هذه الأصول اتبع منذ بداية العام مساراً متشابهاً إلى حد كبير، رغم اختلافات في حجم الحركة، ما يشير إلى أن العملات الرقمية الكبرى قد تواصل التحرك في اتجاه قريب من" بيتكوين" في المدى القريب.
ويقول بروبست إن بيانات" بيتكوين" تظهر مؤشرات على الاستقرار بعد موجة البيع التي أثارها إعلان" استراتيجي" في أوائل يونيو/حزيران بيعها" بيتكوين".
فقد أصبح الاتجاه النزولي أقل حدة، واستقر متوسط عمق السوق عند مستوى 1%، وتحسن مقارنة بالمستويات التي أعقبت البيع، كما توقفت التقلبات عن الارتفاع وبدأت تميل إلى التراجع.
لكن أزمة السوق لا تتعلق بالسعر وحده، إذ تتزامن التحولات في العملات المشفرة مع موجة جديدة من التدقيق في أرباح ترامب من هذه العملات.
فقد ذكرت رويترز أن إفصاحاته المالية لعام 2025 أظهرت دخلاً يتجاوز 1.
4 مليار دولار من مشاريع مرتبطة بالكريبتو.
أما الغارديان، فأشارت إلى أن هذه الأرباح جاءت في وقت كان ترامب يدفع باتجاه تخفيف القيود على القطاع وتحويل الولايات المتحدة إلى" عاصمة عالمية للكريبتو"، ما أثار تحذيرات جديدة من تضارب المصالح، لينتقل تأثير ترامب من السعر إلى السمعة، إذ يفرض صعود عملات الميم والمشاريع السياسية تمييزاً أوضح بين" بيتكوين" كأصل ذي حضور مؤسسي، وبين فضاء أوسع تختلط فيه المضاربة بالنفوذ.
يقول الدكتور كريستوفر كار، المحاضر في التشفير والبلوكشين والتكنولوجيا المالية في جامعة إكستر البريطانية، في حديث إلى" العربي الجديد"، إن المستثمرين الأكثر معرفة في سوق العملات الرقمية سيبقون على الأرجح قادرين على التمييز بوضوح بين" بيتكوين" من جهة، وعملات الميم وغيرها من المشاريع من جهة أخرى.
ويرى أن الأمر نفسه ينطبق غالباً على" إيثريوم"، وربما عدد محدود من الأصول الرقمية الأخرى.
ويضيف كار أن بعض الأنشطة التي شهدها فضاء" الكريبتو" الأوسع ساهمت في" تعكير الصورة" وإضعاف سمعة أنظمة يرى أنها، في جوهرها، تكنولوجيا تحمل قدراً من القيمة والابتكار ضمن نطاق محدود.
أما الخطر الأكبر على مستقبل العملات الرقمية، فلا يختزله كار في عامل واحد، إذ يرى أن المخاطر مترابطة وتشمل التنظيم والمضاربة والثقة والتصميم التقني، إضافة إلى الأمن السيبراني.
تلتقي هذه المخاوف مع التحذيرات التنظيمية في بريطانيا.
ففي تعليق رسمي لـ" العربي الجديد" قال متحدث باسم هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) إن" الأصول المشفّرة استثمارات عالية المخاطر، وينبغي ألا يستثمر الناس فيها إلا إذا كانوا يفهمون المخاطر".
وأضاف أن الإطار التنظيمي الجديد للهيئة" سيحسّن حماية المستهلكين ونزاهة السوق، ويساعد الناس على اتخاذ قرارات أكثر استنارة"، مستدركاً: " لكننا لا نستطيع إزالة كل المخاطر عبر التنظيم".
كذا صرحت ريانان باترفيلد، مديرة قسم الأموال والمدفوعات الرقمية في" يو كيه فاينانس" لـ" العربي الجديد" قائلة: " ترحب البنوك البريطانية باستكمال النظام التنظيمي للعملات المستقرة في المملكة المتحدة، مما يوفر اليقين الذي تحتاجه الشركات لاتخاذ قرارات الاستثمار.
وتابعت: " بينما لا تزال هناك بعض الجوانب التي تتطلب مزيداً من الوضوح - مثل كيفية إدراج العملات المستقرة ضمن لوائح المدفوعات - فإن وجود سوق منظم تنظيماً جيداً يعد أمراً جوهرياً لدعم تطوير منتجات وخدمات الأصول الرقمية، وتعزيز ثقة المستهلكين فيها".
وقالت إن مشروع" يو كيه فاينانس" التجريبي للودائع المرمزة البريطانية (GBTD) يبرهن بالفعل على الإمكانات الكبيرة لأموال البنوك التجارية الرقمية، حيث يجمع بين الحماية التنظيمية للودائع المصرفية التقليدية وبين السرعة ومزايا الوقاية من الاحتيال التي توفرها المدفوعات القائمة على تقنية" البلوكشين"، مضيفة" تتمتع المملكة المتحدة بوضع جيد يؤهلها لقيادة الطريق في مجالات مثل الترميز (Tokenisation) عبر أسواق الجملة والتجزئة على حد سواء، وذلك استناداً إلى قطاع خدماتنا المالية القوي وأطرنا القانونية المتينة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك