منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) عام 2023، بات العاملون في القطاع الصحي من بين أكثر الفئات تعرضاً لتبعات النزاع، مع تحول المستشفيات وسيارات الإسعاف والكوادر الطبية من مرافق محمية بموجب القانون الدولي الإنساني إلى أهداف متكررة للعمليات العسكرية.
ومع كل هجوم جديد، لا تقتصر الخسائر على سقوط قتلى أو خروج منشأة صحية عن الخدمة، بل تمتد إلى اتساع الفجوة بين ملايين المدنيين والرعاية الطبية التي يعتمدون عليها للبقاء.
وفي شمال دارفور، حيث شكلت المعارك حول مدينة الفاشر إحدى أكثر محطات الحرب دموية، أعلنت" شبكة أطباء السودان" أن 25 من الكوادر الطبية قتلوا في الولاية منذ اندلاع النزاع وحتى سيطرة قوات" الدعم السريع" على الفاشر في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، فيما لا يزال مصير 20 طبيباً وطبيبة، بينهم أربع طبيبات، مجهولاً منذ ذلك التاريخ، وسط ترجيحات باحتجازهم.
وترى الشبكة أن فقدان هذا العدد من الأطباء يمثل ضربة قاسية لمنظومة صحية تعاني نقصاً حاداً في الكوادر والإمكانات، في ولاية تضم مئات الآلاف من النازحين وتواجه احتياجات إنسانية متفاقمة.
ولا تبدو هذه الوقائع معزولة عن السياق الأوسع للحرب، فوفقاً لبيانات" شبكة أطباء السودان"، تجاوز عدد القتلى والمفقودين من الكوادر الطبية على مستوى البلاد 235 شخصاً منذ بداية الحرب، في وقت تعرضت عشرات المستشفيات والمراكز الصحية للقصف أو الاقتحام أو الإغلاق القسري، مما أدى إلى تقلص مستمر في القدرة على تقديم الخدمات العلاجية الطارئة والأساسية.
وكانت وزارة الصحة الاتحادية قد دانت، الهجوم على" مستشفى الولادة السعودي" بمدينة الفاشر، الذي قالت إنه أسفر عن مقتل أكثر من 460 مدنياً بين مرضى ومرافقين، إضافة إلى مقتل 12 من الكوادر الطبية في هجمات منفصلة، وبينما تستمر العمليات العسكرية، تتجاوز خسارة الأطباء والمستشفيات بعدها المهني لتغدو أحد أبرز مؤشرات الانهيار المتسارع للقطاع الصحي، وما يترتب عليه من تداعيات إنسانية طويلة الأمد تمس ملايين السودانيين.
في تقرير صدر في 19 ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن استهداف مرافق الرعاية الصحية أصبح أكثر اتساعاً وفتكاً، بما يقوض قدرة ملايين المدنيين على الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة ويعرض العاملين الصحيين والعمليات الإنسانية لأخطار متزايدة.
ووثقت المنظمة 201 هجوم على مرافق الرعاية الصحية منذ اندلاع النزاع، أسفر عن 1858 حالة وفاة و490 إصابة، بينما شهد عام 2025 وحده تسجيل 65 هجوماً خلفت أكثر من 1620 قتيلاً و276 مصاباً.
واعتبرت المنظمة أن هذه الحصيلة تمثل أكثر من 80 في المئة من إجمال الوفيات المرتبطة بالهجمات على المرافق الصحية المسجلة عالمياً خلال العام نفسه، في مؤشر يعكس حجم التدهور الذي يشهده القطاع الصحي السوداني مقارنة ببؤر النزاع الأخرى.
وتقاطعت هذه المعطيات مع توثيقات" شبكة أطباء السودان"، التي أفادت بمقتل أكثر من 234 من الكوادر الطبية منذ اندلاع الحرب، وإصابة أكثر من 507 آخرين، إضافة إلى 59 مفقوداً و73 محتجزاً، معتبرة أن هذه الأرقام تعكس نمطاً مستمراً من الانتهاكات التي تطال العاملين في القطاع الصحي، بما يشمل القتل والاعتقال والإخفاء القسري، فضلاً عن تعطيل عمل المستشفيات ومنع الطواقم الطبية من أداء مهامها.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على تدمير البنية الصحية، بل امتدت إلى تعميق واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
فقد تسببت في نزوح أكثر من 11 مليون شخص داخل السودان وخارجه، بينهم نحو 3 ملايين عبروا إلى دول الجوار، بينما حذرت الأمم المتحدة من اتساع تفشي الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة نتيجة انهيار خدمات المياه والصرف الصحي وتراجع قدرات النظام الصحي.
وفي ظل استمرار القتال، دعت الأمم المتحدة إلى هدنة إنسانية تتيح وصول المساعدات وحماية المدنيين، في وقت أشارت تقديرات منظمات إنسانية، من بينها لجنة الإنقاذ الدولية، إلى أن عدد قتلى الحرب قد يتجاوز 150 ألف شخص، على رغم صعوبة التحقق من الحصيلة الفعلية بسبب استمرار النزاع واتساع رقعته.
يكشف توثيق" شبكة أطباء السودان" أن الخسائر التي تكبدها القطاع الصحي في شمال دارفور لم تقتصر على الأرقام، بل امتدت لتطال مختلف حلقات المنظومة العلاجية، من الأطباء الاختصاصيين والعموميين إلى الصيادلة والممرضين وفنيي المختبرات والعاملين في التغذية والإحصاء والتحصين والإسعاف، وحتى عمال النظافة والحراسة.
ويعكس هذا التنوع في طبيعة الضحايا اتساع نطاق الاستهداف، بحيث لم يعد يقتصر على العاملين في الخطوط الأمامية للرعاية الصحية، وإنما شمل كل من ارتبط باستمرار عمل المرافق الطبية في مناطق النزاع.
وتشير المعطيات التي جمعتها الشبكة إلى أن أسباب الوفاة تنوعت بين القصف المدفعي والهجمات بالطائرات المسيرة وإطلاق النار المباشر والاغتيالات وحوادث العنف المرتبطة بالمعارك، فيما توفي آخرون أثناء أداء واجبهم داخل المستشفيات والمراكز الصحية أو أثناء محاولاتهم الوصول إلى المرضى، بينما سقط بعضهم خلال عمليات احتجاز أو في ظروف وصفتها الشبكة بأنها تثير مخاوف جدية بشأن سلامة العاملين في القطاع الصحي.
ويرى مراقبون أن هذا النمط من الخسائر أسهم في استنزاف الكفاءات الطبية في واحدة من أكثر ولايات السودان احتياجاً للخدمات العلاجية، في وقت تزايدت أعداد الجرحى والنازحين واتسعت الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرات المتاحة.
في الأثناء، قال المتحدث باسم" شبكة أطباء السودان" محمد فيصل، إن القطاع الصحي ظل من أكثر القطاعات تضرراً منذ اندلاع الحرب، ليس فقط بسبب فقدان المئات من الكوادر الطبية، وإنما أيضاً نتيجة الاستهداف المتكرر للمستشفيات وسيارات الإسعاف والمراكز الصحية، وما رافقه من تحويل بعض المنشآت الطبية إلى استخدامات عسكرية أو مراكز احتجاز، الأمر الذي قوض قدرتها على أداء دورها الإنساني.
وأضاف" أن استمرار القصف، لا سيما في الفاشر، أدى إلى تعطيل عدد من المستشفيات العاملة واستنزاف ما تبقى من الطواقم الطبية، التي تواصل تقديم خدماتها في ظروف بالغة الخطورة ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الأساسية".
وتعتبر الشبكة أن فقدان هذه الكوادر يمثل ضربة قاسية للنظام الصحي في شمال دارفور، وتطالب بضمان احترام الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني للعاملين في المجال الطبي والمنشآت الصحية، والكشف عن مصير الأطباء المفقودين والمحتجزين، وتمكين الطواقم الطبية من أداء عملها بعيداً من الاستهداف، بما يسمح باستمرار الحد الأدنى من الخدمات الصحية للسكان المتأثرين بالنزاع.
يرى مختصون في القانون الدولي أن تصاعد استهداف الكوادر الطبية في السودان يرتبط بتآكل مبدأ الحياد الطبي مع إطالة أمد الحرب، إذ أصبحت المستشفيات ومراكز العلاج تعمل في بيئات تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الاحتياجات الإنسانية.
وأوضح القانوني محمد المجتبى الأمين أن قواعد القانون الدولي الإنساني تمنح العاملين في القطاع الصحي والمنشآت الطبية حماية خاصة، وتلزم الأطباء بتقديم العلاج لجميع الجرحى من دون تمييز، بصرف النظر عن انتماءاتهم، " غير أن هذه الحماية أصبحت عرضة للتآكل مع تنامي الاتهامات المتبادلة بشأن استغلال بعض المرافق الصحية أو تعاون أفراد بعينهم مع طرفي النزاع، وهي مزاعم يرى أن حسمها لا يكون إلا عبر تحقيقات مستقلة وشفافة، لا من خلال تحميل القطاع الصحي بأكمله تبعات اتهامات غير مثبتة".
وحذر الأمين من أن تسييس العمل الطبي أو تحويل المستشفيات إلى جزء من الصراع من شأنه أن يقوض الثقة في المؤسسات الصحية، " ويفتح الباب أمام استهدافها على رغم أن القانون الدولي الإنساني يقصر المسؤولية، متى ثبتت أي مخالفة، على الأفراد ولا يجيز المساس بالحماية المقررة للمرافق الطبية والعاملين فيها".
وتعزز المؤشرات الدولية هذه المخاوف، فقد حذرت منظمة الصحة العالمية من استمرار الهجمات على المرافق الصحية خلال عام 2026، مشيرة إلى أن الأسابيع الأولى من العام شهدت اعتداءات متكررة على منشآت علاجية، أوقعت قتلى وجرحى بين المرضى والعاملين الصحيين، وأدت إلى تعطيل خدمات أساسية في مناطق تشهد احتياجات إنسانية متزايدة.
واعتبرت المنظمة أن استمرار استهداف المستشفيات يفاقم انهيار النظام الصحي ويحد من وصول المدنيين إلى الرعاية المنقذة للحياة، مجددة دعوتها إلى احترام الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني للمرافق الصحية والطواقم الطبية.
وتتقاطع هذه التحذيرات مع تطورات دارفور، حيث أقر قائد قوات" الدعم السريع"، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عقب سيطرة قواته على مدينة الفاشر العام الماضي، بوقوع ما وصفه بـ" تجاوزات"، معلناً تشكيل لجان للتحقيق فيها.
وفي موازاة ذلك، صعد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تحركاته بعقد جلسة طارئة بشأن الأوضاع في السودان، وسط دعوات دولية إلى خفض التصعيد، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإجراء تحقيقات مستقلة تكفل المساءلة وحماية المدنيين والعاملين في القطاع الصحي.
وسط هذه الأجواء، قالت أخصائية الرعاية الاجتماعية عفاف مصطفى" لا يقتصر أثر استهداف الكوادر الطبية على فقدان أطباء أو خروج مستشفى من الخدمة، بل يمتد إلى تقويض أحد أهم مقومات الصمود المجتمعي في أوقات النزاعات.
فمع كل طبيب يغادر موقعه قسراً أو يُقتل أو يُحتجز، تتراجع قدرة المرافق الصحية على تقديم الرعاية الطارئة والوقائية، وتتسع الفجوة بين الاحتياجات الطبية المتزايدة والإمكانات المتاحة، لا سيما في المناطق التي تعاني حصاراً أو نزوحاً واسع النطاق".
وأوضحت أنه" في كثير من الحالات، أدى نقص الكوادر إلى إغلاق أقسام تخصصية، وتعليق خدمات أساسية، وتأخر التدخلات المنقذة للحياة، مما انعكس بصورة مباشرة على معدلات الوفيات والمضاعفات الصحية بين المدنيين"، مضيفة" كما أسهمت الهجمات المتكررة على المستشفيات في إضعاف ثقة السكان بقدرتهم على الوصول إلى العلاج بأمان، بينما دفعت الأخطار الأمنية أعداداً متزايدة من الأطباء والعاملين الصحيين إلى النزوح أو مغادرة مناطق القتال، الأمر الذي فاقم الاختلال في توزيع الخدمات الصحية، وترك مجتمعات كاملة تعتمد على إمكانات محدودة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات الإنسانية.
وفي بعض المناطق، أدى تعطل المرافق الصحية أو تقييد الوصول إليها إلى حرمان المدنيين من العلاج".
وتابعت أخصائية الرعاية الاجتماعية" أن الآثار المترتبة على استنزاف الكوادر الطبية لن تتوقف بانتهاء العمليات العسكرية، إذ إن إعادة بناء النظام الصحي تتطلب أعواماً من تأهيل المؤسسات واستعادة الكفاءات التي فُقدت أو نزحت"، وتابعت" استمرار استهداف العاملين في المجال الصحي لا يهدد حق السكان في العلاج فحسب، بل يقوض أيضاً الشعور بالأمان والثقة في المؤسسات العامة، ويعمق هشاشة المجتمعات المتضررة"، وشددت مصطفى على أن حماية الكوادر الطبية والمنشآت الصحية، والكشف عن مصير الأطباء المحتجزين والمفقودين، ومنع استخدام المرافق الطبية لأغراض عسكرية، تمثل شروطاً أساسية للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الصحية وتهيئة أي مسار جاد للتعافي الإنساني وإعادة الإعمار بعد الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك