من أصعب ما يواجه كاتب الرأي أن يكتب عن جهة ينتمي إلى منظومتها المهنية.
ففي تلك اللحظة، تختلط مشاعر الانتماء بواجب الحياد، ويصبح التحدي الحقيقي ألا تتحول الإشادة إلى مجاملة، ولا يتحول الحرص على الموضوعية إلى تجاهلٍ لمنجز يستحق أن تُقال فيه كلمة حق.
ولعل هذا تماماً ما وجدته وأنا أتابع، بحكم عملي في مهنة المحاماة، التحولات المتسارعة التي تشهدها وزارة العدل.
فمن يلامس المنظومة العدلية بصورة يومية يدرك أن ما يحدث لم يكن مجرد توسع في الخدمات الرقمية، أو تحديث للإجراءات، أو تطوير للتشريعات، بل مشروع تحول مؤسسي متكامل يعيد رسم العلاقة بين العدالة والتقنية، وبين جودة القرار وسرعة الوصول إلى الحق.
وما يزيد الكتابة عن هذه المرحلة صعوبة أنها لا تسمح لك بالوقوف عند إنجاز بعينه.
فكل مشروع يقود إلى مشروع آخر، وكل مبادرة تبدو امتداداً لما قبلها، حتى أصبح من الصعب النظر إلى الذكاء الاصطناعي، أو التحول الرقمي، أو تجربة المستفيد، أو العدالة الوقائية، بوصفها مشاريع منفصلة، لأنها في حقيقتها أجزاء متكاملة من رؤية واحدة تتجه بالمنظومة العدلية نحو المستقبل.
غير أن أكثر ما استوقفني في هذا المسار لم يكن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العمل العدلي، فالتقنية أصبحت متاحة للجميع، وإنما الكيفية التي اختارت بها وزارة العدل توظيفه.
فهناك فرق كبير بين مؤسسة تستخدم الذكاء الاصطناعي، ومؤسسة تعيد بناء طريقة عملها على أساسه.
وفي تقديري، فإن هذا هو الفارق الذي بدأت ملامحه تتشكل بوضوح في التجربة العدلية السعودية، وهو ما يجعل الحديث اليوم لا يدور حول مشروع تقني جديد، بقدر ما يدور حول مرحلة جديدة في تطور العدالة نفسها.
لذا، فإذا أردنا أن نلخص المرحلة التي تعيشها المنظومة العدلية اليوم في عبارة واحدة، فربما أمكن القول إن وزارة العدل لا تنتقل من الورق إلى الشاشة، فهذه المرحلة تجاوزتها منذ سنوات، وإنما تنتقل من رقمنة العدالة إلى ذكاء العدالة.
وبين المرحلتين فرق جوهري لا يكمن في الأدوات، بل في الفلسفة.
فالرقمنة تهدف إلى تسريع الإجراءات، وتبسيط الخدمات، وتقليل الوقت والجهد، وهي مرحلة حققت فيها الوزارة إنجازات جعلتها من أكثر الجهات الحكومية تقدمًا في التحول الرقمي.
أما ذكاء العدالة فهو مرحلة أكثر عمقاً، مرحلة تصبح فيها البيانات عنصرًا في صناعة القرار، والتحليلات أداة لرفع جودة المخرجات، والذكاء الاصطناعي شريكًا في تحسين الأداء، واستشراف التحديات، وتعزيز كفاءة المنظومة بأكملها.
ولهذا، فإن الذكاء الاصطناعي في وزارة العدل لا يُنظر إليه بوصفه مشروعاً تقنياً مستقلاً، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لمشروع عدلي متكامل، غايته أن تصبح العدالة أكثر سرعة في الوصول إلى الحق، وأكثر دقة في معالجة الوقائع، وأكثر قدرة على خدمة الإنسان، دون أن تمس جوهرها أو استقلالها.
وهذا، في تقديري، هو الفارق الحقيقي بين رقمنة العدالة.
وذكاء العدالة.
ومن المؤكد أن ما يميز هذا التحول أنه لم يكن استجابة متأخرة لموجة الذكاء الاصطناعي العالمية، بل استمرار وتطوير لرؤية مؤسسية بدأت ملامحها تتشكل قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي عنواناً رئيسياً في مختلف القطاعات.
فاستحداث وحدة متخصصة بالذكاء الاصطناعي داخل وزارة العدل لم يكن مجرد قرار تنظيمي، وإنما رسالة واضحة بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُستعد له.
فالوزارة لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية جديدة تضاف إلى قائمة المبادرات، وإنما بوصفه أحد الممكنات الإستراتيجية التي ستعيد تشكيل العمل العدلي خلال السنوات القادمة.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن ترتبط بهذه الرؤية مفاهيم مثل الجاهزية للمستقبل، والتمكين المؤسسي، وجودة المخرجات، وتحليل البيانات، والتحليلات المتقدمة، لأنها جميعًا ليست مشاريع مستقلة، بل أجزاء من فلسفة واحدة تقوم على بناء منظومة عدلية قادرة على التعلم والتطور واتخاذ القرار بكفاءة أعلى.
فالسبق الحقيقي لا يكون في امتلاك التقنية، وإنما في امتلاك الرؤية التي تعرف كيف توظفها، ومتى توظفها، ولأي غاية توظفها.
ولذلك، فإن المستفيد الحقيقي من هذا التحول لن يكون الوزارة وحدها، بل كل من يقف على أبواب العدالة.
فالمتقاضي لن يلمس الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية معقدة، وإنما سيشعر به في اختصار الإجراءات، وسرعة الوصول إلى الخدمة، ودقة المعلومة، وسهولة رحلته داخل المنظومة العدلية.
والمحامي سيجد أدوات أكثر ذكاءً في البحث والتحليل واستدعاء الأنظمة والسوابق، بينما سيستفيد القاضي من بيئة تقنية تختصر الأعمال المتكررة، وتمنحه وقتًا أكبر للتأمل في الوقائع وصناعة الاقتناع القضائي.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للتقنية، فهي لا تستبدل الإنسان، وإنما تمنحه فرصة لأن يمارس أفضل ما لديه.
ولعل من أكثر المفاهيم نضجًا في هذا التحول مفهوم العدالة الوقائية، وهي فكرة تتجاوز الدور التقليدي للقضاء في الفصل في النزاعات إلى محاولة الحد من نشوئها أصلًا.
فحين تصبح المنظومة أكثر قدرة على قراءة البيانات، وتحليل الأنماط، ورصد المؤشرات المبكرة، وتعزيز الامتثال، فإنها لا تنتظر الخصومة حتى تقع، بل تعمل على تقليل أسبابها قبل أن تصل إلى أروقة المحاكم.
وهذه نقلة فكرية عميقة، تعكس انتقال العدالة من إدارة النزاع إلى الإسهام في الوقاية منه، وهو ما يرسخ الاستقرار القانوني والاجتماعي معاً.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على الخدمات أو الإجراءات، بل يمتد إلى جوهر العمل العدلي نفسه.
فالتمكين المؤسسي الذي تتبناه وزارة العدل لا يعني تمكين التقنية بقدر ما يعني تمكين الإنسان من التقنية.
فكلما أصبحت البيانات أكثر تكاملاً، والتحليلات أكثر دقة، والمعلومة أسرع في الوصول، ارتفعت جودة المخرجات، وأصبح القرار أكثر إحاطة، والحكم أكثر جودة، والعمل العدلي أكثر كفاءة.
وهنا لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الخبرة القانونية أو الاجتهاد القضائي، وإنما شريك في الارتقاء بهما، بما يجعل جودة العدالة نفسها هي المستفيد الأول من هذا التحول.
ولا تقف مستهدفات هذا التحول عند حدود المحاكم أو أطراف الخصومة، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله.
فالعدالة لم تعد تُقاس بعدد الأحكام التي تصدر، بل بمقدار الثقة التي تبنيها.
وكلما أصبحت المنظومة العدلية أكثر قدرة على استثمار البيانات، وتسريع الإجراءات، ورفع جودة المخرجات، ازدادت ثقة الأفراد في حماية حقوقهم، وازدادت ثقة المستثمر في البيئة النظامية، وتعززت قدرة قطاع الأعمال على اتخاذ قراراته في مناخ قانوني أكثر استقراراً ووضوحاً.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة العدلية ليس استثماراً في التقنية فحسب، بل استثمار في الثقة، والثقة هي أول ما تُبنى عليه الاقتصادات قبل أن تُبنى عليه الأسواق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك