إيلاف من لندن: نجح العالم في ابتلاع أكبر صدمة نفطية في تاريخه الحديث، لكنه فعل ذلك بطريقة خطرة: فتح المخازن، سحب من الاحتياط، خفف الشراء، وراهن على أن حرب إيران لن تطول أكثر.
النتيجة أن البنزين لم يختفِ من المحطات، والطائرات لم تقف على المدارج، والأسعار عادت إلى مستويات ما قبل الحرب تقريباً.
لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، يختبئ سؤال أكثر قسوة: ماذا لو وقع اضطراب جديد قبل إعادة ملء الخزانات؟في تحليل نشرته «رويترز» بقلم دميتري جدانيكوف وروبرت هارفي وأحمد غدار، يظهر أن العالم فقد أكثر من مليار برميل من إمدادات النفط منذ اندلاع حرب إيران، بعد أن أدى إغلاق طهران مضيق هرمز رداً على الهجمات الأميركية والإسرائيلية في 28 شباط (فبراير) إلى اضطراب غير مسبوق في السوق.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، بلغت الخسائر في أسوأ مراحلها نحو 14 مليون برميل يومياً، في أكبر اضطراب لإمدادات الطاقة في التاريخ الحديث.
ومع ذلك، لم تقع الكارثة التي خاف منها الجميع.
لم تنفد إمدادات البنزين والديزل ووقود الطائرات في آسيا وأوروبا.
ولم يكسر خام برنت الرقم القياسي التاريخي المسجل في 2008، رغم أنه صعد إلى نحو 126 دولاراً في نيسان (أبريل)، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى قرابة 72 دولاراً للبرميل في 6 تموز (يوليو)، وفق بيانات السوق وتقارير «رويترز».
الجواب ليس أن الأزمة كانت صغيرة.
بل إن العالم صار أكثر مرونة مما كان في سبعينيات القرن الماضي.
فقد تراجعت «كثافة النفط»، أي مقدار اعتماد النشاط الاقتصادي على النفط، بأكثر من النصف في معظم الاقتصادات المتقدمة منذ أزمات السبعينيات، وبنحو 20% في الاقتصادات الناشئة والنامية، وفق تقديرات أوردتها «رويترز» عن البنك الدولي.
وهذا يعني أن كل برميل مفقود لا يضرب الاقتصاد العالمي اليوم بالقسوة نفسها التي كان يضربه بها قبل نصف قرن.
لكن المرونة البنيوية وحدها لا تفسر النجاة.
ثلاثة عوامل أنقذت السوق من الاختناق: السعودية والإمارات وجدتا مسارات بديلة للتصدير، آسيا بقيادة الصين قلصت مشترياتها، ودول العالم سحبت بكثافة من مخزوناتها الاستراتيجية.
وكانت وكالة الطاقة الدولية قد أعلنت في آذار (مارس) أكبر عملية سحب من الاحتياطيات في تاريخها، بإتاحة 400 مليون برميل من مخزونات الدول الأعضاء لمواجهة اضطرابات الشرق الأوسط.
الصين كانت اللاعب الأكثر هدوءاً والأكثر تأثيراً.
عند اندلاع الحرب، كانت تملك نحو 1.
4 مليار برميل مخزنة، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أي أكثر مما تملكه دول وكالة الطاقة الدولية مجتمعة.
ومع تبنيها السريع للسيارات الكهربائية ومرونتها في إنتاج النفط والبتروكيماويات، استطاعت تقليص مشترياتها بما خفف الضغط العالمي.
ووفق «رويترز»، انخفضت الشحنات إلى الصين في حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) إلى نحو نصف مستوياتها المعتادة.
هنا تكمن المفارقة.
الصين لم تنقذ السوق بالشراء، بل بالامتناع عن الشراء.
في أزمات سابقة، كان المستوردون الكبار يندفعون إلى التخزين فيشعلون الأسعار.
هذه المرة، كانت بكين تملك ما يكفي من النفط، وتملك طلباً داخلياً أكثر مرونة، فتركت السوق يلتقط أنفاسه.
وساعدت واشنطن بدورها في إدارة الرواية.
الرئيس دونالد ترامب كرر أن نهاية الحرب باتت قريبة، فيما تحدثت الإدارة الأميركية عن المزيد من الإمدادات وعودة التدفقات.
ونقلت «رويترز» عن محللي «سوسيتيه جنرال» أن هذه الرواية جعلت صناديق التحوط أقل رغبة في الاحتفاظ بمراكز تراهن على صعود الأسعار.
بكلمات أبسط: السوق خافت، لكنه لم يصدق أن الخوف سيطول.
ثم جاء الاتفاق المبدئي بين واشنطن وطهران الشهر الماضي ليمنح المتعاملين ذريعة للعودة إلى الوضع الطبيعي.
ومع تحسن صادرات الخليج عبر هرمز وقرار «أوبك+» زيادة الإنتاج بـ188 ألف برميل يومياً في آب (أغسطس)، تراجعت الأسعار إلى مستويات قريبة من ما قبل الحرب.
لكن هذا الهدوء لا يعني أن الإمدادات عادت كما كانت.
فبيانات الشحن عبر هرمز، وفق «رويترز»، لا تزال تشير إلى تعافٍ جزئي لا كامل، إذ بقيت الصادرات في حزيران أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
الخطر الحقيقي الآن هو المخزون.
فالعالم لم يتجاوز صدمة النفط مجاناً؛ لقد دفع ثمنها من خزاناته.
وإذا كانت المخزونات الاستراتيجية واحتياطيات الصين قد امتصت الضربة الأولى، فإنها باتت الآن أقل قدرة على امتصاص ضربة ثانية.
ووفق «رويترز»، قد تكون الدول سحبت نحو مليار برميل من الاحتياطيات والمخزونات التجارية، بينما ستكلف إعادة بناء هذه المخزونات أكثر من 70 مليار دولار بأسعار برنت الحالية.
هذه ليست تفصيلة محاسبية.
في سوق النفط، المخزون هو صمام الأمان.
حين ينضب، تصبح الأسعار أكثر عصبية.
أي هجوم جديد، أي لغم بحري، أي فشل في الهدنة، أو أي تعطيل مؤقت في هرمز قد يتحول سريعاً إلى قفزة سعرية، لأن البراميل الاحتياطية التي كانت تهدئ السوق لم تعد بالوفرة نفسها.
ولذلك تبدو السوق اليوم كمن خرج من حادث كبير بلا كسور ظاهرة، لكنه فقد كثيراً من دمه.
الأسعار هادئة، لكن الجسم أضعف.
وكل زيادة قدرها 5 دولارات في سعر النفط تضيف، وفق حسابات «رويترز» على أساس طلب عالمي يبلغ 104 ملايين برميل يومياً، نحو 190 مليار دولار سنوياً إلى فاتورة الاقتصاد العالمي.
وتزيد الصورة تعقيداً أن إصلاح البنية التحتية الخليجية المتضررة لن يتم بسرعة.
حتى مع استئناف السعودية والكويت وقطر والعراق والبحرين الإنتاج والتصدير، قد تحتاج بعض الدول إلى سنوات لمعالجة الأضرار التي خلفتها الهجمات الإيرانية.
كما أن الهدنة بين واشنطن وطهران تمضي نحو نهايتها، بينما لا تزال الملفات الكبرى، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني، بلا حل نهائي.
أما «أوبك+»، فهي تتحرك الآن في سوق لا تشبه ما قبل الحرب.
التحالف قرر زيادة الإنتاج تدريجياً، لكن السؤال لم يعد فقط: كم يستطيع المنتجون ضخّه؟ بل أيضاً: من سيشتري؟ ومتى تعود الصين إلى السوق؟ وهل يبقى هرمز آمناً بما يكفي لإعادة التجارة إلى مسارها الطبيعي؟في الظاهر، تبدو أزمة النفط الإيرانية وكأنها انتهت بأقل الأضرار: لا طوابير وقود عالمية، لا انهيار في الطيران، لا ركود فوري بسبب الطاقة.
لكن في العمق، تغيّر ميزان المخاطر.
العالم لم يعد يقف أمام صدمة حالية، بل أمام هشاشة مؤجلة.
والسوق التي لم تصرخ في وجه الحرب قد تصرخ في وجه شرارة أصغر إذا جاءت قبل إعادة ملء الخزانات.
الخلاصة أن النفط لم يهزم العالم هذه المرة، لكن العالم لم يهزمه أيضاً.
لقد اشترى الوقت بمليار برميل.
والوقت، في الخليج، قد يكون أغلى من النفط نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك