يوما بعد يوم ومع الزيادة المطردة في درجات الحرارة، نستدعي من الذاكرة العمارة الإسلامية بابتكاراتها التي تواءمت مع البيئة، ووظفت كل المعطيات البيئية من مواد بناء وموقع في التعاطي مع المتغيرات المناخية بكل أبعادها.
فشدة الحرارة في أجواء المدينة العربية كان يقابلها نظام عمل يتواءم معها، فكان يوم العمل يبدأ بعد صلاة الفجر لينتهي مع صلاة الظهر في ذروة سطوع الشمس في اليوم ليستريح الجميع إلى صلاة العصر، وهو ما سمي وقت القيلولة.
list 1 of 2كيف تبدو غزة من الفضاء؟ صور توثق حجم الدمار بعد 1000 يوم من حرب الإبادةlist 2 of 2صور فضائية تكشف اتساع حرائق المحاصيل بريف الحسكة في سورياثم تبدأ الحركة إلى صلاة العشاء، لكن ظل الكثيرون ينظرون إلى المدن القديمة بأنها عشوائية، في حين أنها خططت للتواؤم مع طبيعة المناخ شديد الحرارة الذي قد تصاحبه رياح محملة بالأتربة أو الرمال.
في هذا الطقس، خططت شوارع المدن الإسلامية لكي تكون متعرجة؛ لتحد من سرعة الرياح المحملة بالرمال والأتربة، ولكي تكسر حدة أشعة الشمس الحارقة.
كانت الشوارع متضامة ليست واسعة حتى توفر الظل للمارة، ومن الواحات في الصحراء انتقلت السقائف التي كانت تظلل الشوارع على مسافات وتؤدي إلى وجود حركة للهواء، إلى المدن، لتصبح الساباط أو القنطرة المعقودة، التي تربط بين مبنيين على جانبي الشارع أيضا.
خططت شوارع المدن الإسلامية لكي تكون متعرجة؛ لتحد من سرعة الرياح المحملة بالرمال والأتربة، ولكي تكسر حدة أشعة الشمسهذا ما مكّن من تحقيق التناغم بين العمارة والإنسان والبيئة، فهذا الإنسان استطاع أن يتجول في شوارع مدينته مع شدة الحرارة دون أن يدرك أن هذه السقائف تحرك الهواء الحار الساكن عبر الظل والفراغ مما يقلل من درجات الحرارة، لكن على الجانب الآخر هناك ما نستطيع أن نطلق عليه التبريد السلبي في العمارة الناتج عن سماكة الجدران خاصة المبنية من الحجر.
فهذه الجدران السميكة كانت تمتص الحرارة الشديدة في النهار لكي تدفئ بها المكان ليلا حين يبرد الطقس خاصة في المناطق الصحراوية.
كانت سماكة الجدران متوائمة مع حاجة المكان للمدى الزمني لامتصاص الحرارة، فلم تكن وظيفتها فقط حوائط حاملة للطوابق العليا، بل لها دور بيئي أيضا.
لذا في بعض البيئات نرى هذه الجدران من ثلاث طبقات بنائية: جدار خارجي، وآخر داخلي، وبينهما طبقة من كسور الحجر أو الآجر.
أدرك المعماري في هذه البيئات الخصائص البصرية والحرارية الفيزيائية لغلاف المبنى، فجعل مادة البناء بتشكيلاتها تعطي البناء بهاء ورونقا وهو ما جعل لها وظائف متعددة، حسب مادة البناء.
هذا ما يجعل الجدار أكثر قدرة على عزل الداخل عن الخارج.
أدرك المعماري في هذه البيئات الخصائص البصرية والحرارية الفيزيائية لغلاف المبنى، فجعل مادة البناء بتشكيلاتها تعطي البناء بهاء ورونقا وهو ما جعل لها وظائف متعددة، حسب مادة البناءابتكر مصمم العمارة السكنية في الحضارة الإسلامية المدخل المنكسر بزاوية 90 درجة لكي لا يكشف الجار جاره، لكن سرعان ما اكتشف المعماري أن لهذا المدخل فائدة مناخية إذ يكسر حدة الرياح والأتربة الداخلة للمنزل.
كان لضرر الكشف دور في اكتشاف النوافذ التي غشيت بالخشب الخرط، وهو عبارة عن قطع من الخشب تُخرط، أي تُشكّل، على مخرطة وتجمع مع بعضها على زاوية 90 درجة أو زاوية 45 درجة.
كان الهدف منها هو منع الجار من كشف جاره المقابل عبر نوافذ ذات فتحات ضيقة، وسرعان ما اكتشف المعماري أنه لو وضع في الجدار نافذتين علوية وسفلية فإنهما يحدثان تيارا هوائيا لطيفا في الحجرة نتيجة صغر فتحات إحداهما وكبر الأخرى.
فرأى أيضا أن يبرز منها جزء يضع في أسفله قلة من الفخار ليستغل هذا التيار في تبريد المياه، ليشرب منها من في المنزل، فأطلق على هذا الجزء البارز مشربية، وسرعان ما شاعت في العمارة الإسلامية.
ولكن لكي يزيد من متعة صاحب البيت برز بخرجات عن جدار المنزل غشيت بالخشب الخرط ليجلس فيها مستمتعا بحركة الهواء اللطيفة، وعرف هذا العنصر بالورشن وهو من الفارسية روزن بمعنى الكوة أو النافذة، وصارت الرواشن من العناصر التي أبهرت الرحالة الأجانب فرسموها وأبدعوا في تقديمها.
ابتكر مصمم العمارة السكنية في الحضارة الإسلامية المدخل المنكسر بزاوية 90 درجة لكي لا يكشف الجار جاره، لكن سرعان ما اكتشف المعماري أن لهذا المدخل فائدة مناخية إذ يكسر حدة الرياح والأتربة الداخلة للمنزلإن طبيعة المناخ في الأجواء الحارة ودرجات الحرارة واختلافها في فصول السنة أدت لحلول متعددة اختلفت من مدينة لأخرى، فبغداد عرفت غرفا أسفل المنازل عرفت بالسراديب، كانت تستخدم لبرودتها في الصيف، بينما عرفت القاهرة ومنطقة الخليج ودمشق الأفنية التي تتوسط المنازل.
أعطت الأفنية رئة لجميع وحدات المنزل للتنفس والحصول على قدر من أشعة الشمس والضوء، هذا الفناء ارتفعت جدرانه لكي تلقي بظلالها عليه فتقلل من حدة الحرارة.
ومن ناحية أخرى لطفت أجواء الفناء بنافورة وحوض مياه يتوسطه، مع الأشجار والمزروعات التي تخفف من حدة الحرارة أيضا.
شكل الفناء والشمس والهواء فرصة لإحداث حراك في حركة الهواء (التهوية) مع عناصر أخرى، لكن برز في المنزل المقعد العلوي الذي كان يفتح على الفناء بعقدين في اتجاه الشمال الغربي حيث تهب نسمات الهواء الرقيقة.
هذا العنصر مستمد في أصوله من خيمة البدوي في الصحراء، والتي تفتح وهي ترتكز على عمود على جهة هبوب الرياح اللطيفة.
في أي منزل من تلك المنازل هناك شبكة معقدة من أنظمة توفر بصورة مذهلة حركة مستمرة للهواء الذي يتحرك ليحدث نسيما يخفض درجة الحرارة في الداخل عن الخارج بما يتراوح بين 10 و15 درجة مئوية.
فالنوافذ مع الملقف الذي يوجد في خلف القاعة أو الغرفة هو عنصر معماري يرتفع عن سقف المنزل ويفتح بواجهة على اتجاه الرياح بدرجة مائلة ليلتقط الهواء المندفع ويسقطه لأسفل، وهو يماثل البادغير وهو برج صائد الهواء في منازل الخليج العربي التراثية.
إن أحد الأساليب التي استخدمت لكي تخفف من حدة حرارة الشمس، هو تغشية الجص بزجاج ملون، يخفف من حدة حرارة الشمس التي كان من المهم إدخال أشعتها لإضاءة المكان بكثافة، وذلك في عصور لم تكن الكهرباء فيها مستخدمة، وكانت الإنارة تعتمد على الزيوت أو الشمعثم يضاف لذلك" الشخشيخة"، وهي عنصر معماري يبرز في وسط سقف القاعة أو الغرفة، بها نوافذ تسمح بمرور الهواء لأسفل فتخلخله داخل المكان، أو" تشخشخه" فتحدث مع الهواء القادم من النوافذ تيارا من الهواء تخفض معه درجة حرارة المكان، ولا يدرك هذا إلا من زار المنازل الأثرية الباقية على أصولها.
وفي بعض القاعات كان يوجد أسفل" الشخشيخة" نافورة تتوسط حوضا من الرخام، لكي تكسر حدة جماد البناء من ناحية بحركة الماء، ولكي تبث مع حركة الهواء رذاذا من الماء مما يزيد من لطف المكان من ناحية أخرى.
إن أحد الأساليب التي استخدمت لكي تخفف من حدة الشمس وأثر حرارتها، هو تغشية الجص بزجاج ملون يخفف من حدة حرارة الشمس التي كان من المهم إدخال أشعتها لإضاءة المكان بكثافة، وذلك في عصور لم تكن الكهرباء فيها مستخدمة، وكانت الإنارة تعتمد على الزيوت أو الشمع.
بل كان اليمني -الذي اشتهرت عمارته بابتكارات لا حد لها- يستخدم الزجاج المعشق في الرخام ناصع البياض لتكثيف أشعة القمر لإنارة المنزل ليلا، حتى عرف أشهر قصور صنعاء بدار القمر، فهذا العنصر عرف بالقمرية نسبة للقمر.
هنا وجدنا عالما واسعا من المعرفة وأنظمة معقدة لاستخدام الموارد المتاحة من البيئة المحلية بكفاءة عالية، هذا العالم يتقاطع مع جرار الفخار المستخدمة في تبريد المياه، وفي السقايات التي توفر ماء مبردا للمارة في الشوارع.
وذلك إلى جانب أحواض سقي الدواب التي توفر الماء للحيوانات التي يؤذيها العطش.
فهل بعد هذا ما زلنا نتجاهل عمارة استخدمت أنظمة طبيعية للحد من ارتفاع درجة الحرارة دون إلحاق أي ضرر بالبيئة، أنظمة استخدمت الطاقة المتجددة واعتمدت عليها بكثافة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك