تظهر الأسواق البحرينية فجوة واسعة بين استقرار معدل التضخم السنوي رسمياً عند نحو 2.
30% والضغوط الاقتصادية المتزايدة التي يكابدها المواطن في الأسواق الشعبية، ما يرتبط بتفاقم التوترات الجيوسياسية الإقليمية التي أدت إلى تدهور بيئة الأعمال التجارية، وسلط الضوء على غياب الأثر الإيجابي للاستقرار الإحصائي على الأسواق الشعبية ومدى وفاء مخصصات الدعم المالي الحكومي بفروق الأسعار الحقيقية للسلع الأساسية.
فالتقارير الدولية، ومنها تقرير وكالة" فيتش" للتصنيف الائتماني المنشور في 12 يونيو/ حزيران الماضي، تشير إلى تغيير النظرة لقطاع الشركات في مجلس التعاون الخليجي لعام 2026 إلى متدهورة من مستقرة، بما يعكس مخاطر جيوسياسية متزايدة، وتراجعاً في نشاط السياحة والنقل، وارتفاع تكاليف سلاسل الإمداد.
ويرتبط غياب الأثر الإيجابي للاستقرار الإحصائي في الأسواق الشعبية بوجود اختناقات لوجستية ترفع كلفة السلع المعروضة بعيداً عن السلة المرجعية للمؤشر الرسمي، فمع توقف حركة الشحن البحري المعتادة فرضت الظروف الراهنة واقعاً صعباً على التجارة البينية والإمداد اللوجستي؛ وهو ما أظهرته بيانات" فيتش" التي أوردت أن" صادرات قطر والبحرين والكويت من الطاقة تظل مقيدة بإغلاق مضيق هرمز، وتعتمد بشكل كبير على الوصول اللوجستي عبر المملكة العربية السعودية".
ويحد العجز المالي والتباطؤ الاقتصادي الحاد من هوامش المناورة المتاحة أمام البحرين لتقديم مساعدات مرنة للمواطنين، وتظهر البيانات الكلية تراجعاً حاداً في معدلات النمو، وتراكماً للضغوط المالية؛ حيث أشار تقرير صادر عن البنك الدولي في 11 يونيو/ حزيران الماضي إلى أن" توقعات إجماع الآراء لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لعام 2026 لمنطقة الشرق الأوسط جرى تخفيضها بمقدار 0.
6% في يونيو الماضي، لتصل بالنمو الإجمالي للمنطقة إلى 0.
7%، وهو ما يمثل استمراراً للتراجع المشهود منذ بداية الصراع وإغلاق مضيق هرمز، ويقلص الموارد السيادية، ويجعل برامج المساعدة المباشرة عاجزة هيكلياً عن سد الفروق الناشئة عن تضخم الاستيراد المتصاعد.
ويظهر التقييم ذاته أن هذه الضغوط المالية لا تقتصر على البحرين وحدها، بل تعم مصدّري النفط الخليجيين، وأمام هذا الضغط المالي الإقليمي المنكمش تظل مخصصات الدعم المالي الحكومية جامدة دون أي مرونة لمجاراة القفزات السعرية الفعلية للغذاء والوقود بالأسواق الشعبية.
يؤكد الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ" العربي الجديد"، ضرورة التمييز بين معدل التضخم العام الذي يعكس متوسطاً مرجحاً لأسعار سلة واسعة من السلع، والواقع المعيشي الفعلي للمستهلكين، إذ إن هذا المعدل قد لا يعبر بدقة عن الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية التي يقبل عليها المستهلكون في الظروف الراهنة، بينما تتضمن السلة أيضاً سلعاً غير أساسية تحافظ على أسعارها أو تنخفض، ما يخفف من حدة المؤشر العام، ولا يعكس التكاليف المعيشية الحقيقية.
فالسلة الاستهلاكية لكل أسرة تختلف عن السلة العامة الحكومية المستخدمة في حساب التضخم، وفقاً لعايش، لافتاً إلى أن الأسعار في سلة الأسرة الخاصة قد تكون أعلى بكثير، خاصة إذا كانت تركز على السلع الغذائية والأساسية.
ورغم أن معدل التضخم المسجل عند مستوى 2.
3% يعد مثالياً من الناحية النظرية، ويفترض أن يكون له تأثير إيجابي في القدرة الشرائية واستقرار الأسواق، فإن الشعور الشعبي لا يتوافق مع هذه الأرقام الإيجابية، كما يوضح عايش، الذي يعزو هذا التباين إلى أن مؤشر التضخم الرسمي يدمج بين الأسعار المرتفعة للسلع الأساسية، وتلك المستقرة أو المنخفضة للسلع الموسمية أو غير المؤثرة، في ظل الظروف الأمنية والإقليمية السائدة، ما يعني أن المعدل لا يعكس وطأة الارتفاع الحقيقي في أسعار الضروريات، وبالتالي فإن المستهلكين الذين يركزون على احتياجاتهم اليومية لا يشعرون بتأثير هذا الاستقرار الإحصائي في حياتهم العملية.
وقد يساهم بطء الشعور بارتفاع الأسعار في انخفاض معدلات التضخم الظاهرة، بالإضافة إلى مخصصات الدعم المالي الحكومي، غير أن هذين العاملين لا يلعبان الدور الكافي في تهدئة الأسواق أو مواجهة ارتفاع تكاليف السلع الأساسية التي يزداد الطلب عليها، حيث يتجه الناس لتوفير السيولة والإنفاق على المتطلبات الحيوية فقط، ما يرفع أسعارها بسبب ضغط الطلب ويضخمها، وفق تحليل عايش.
في المقابل، تبقى أسعار السلع الكمالية أقل تأثراً أو حتى منخفضة في مثل هذه الظروف، بسبب تراجع الإقبال عليها، وهو ما يؤثر في النتيجة النهائية على معدل التضخم الحقيقي في السوق، ما يعني، بحسب عايش، أنه في ظروف اعتيادية ربما كان مؤشر أسعار المستهلك أعلى من نسبته الحالية، إذ إن الهيكل الحالي للاستهلاك يشوّه الصورة الحقيقية للتضخم.
ولا تقتصر هذه الفجوة بين الإحساس بوطأة ارتفاع الأسعار وبين المؤشرات الإحصائية الحكومية على البحرين وحدها، كما ينوه عايش، بل هي ظاهرة منتشرة في العديد من الدول العربية والعالمية، ما يؤكد أن المعدل العام للتضخم لا يعطي بالضرورة الصورة الحقيقية عن الواقع المعيشي وصعوباته اليومية التي تواجهها الأسر في مختلف المجتمعات، حسب تقديره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك