تجلّت عبقرية الجرجاني في" نظرية النظم"، عبر إدراك عميق وبسيط، بأنّ الشعر العربي ليس بناءً مكتملاً يستحقّ الإعجاب، بقدر ما نظر إليه كائناً حيّاً يحتاج إلى تشريح.
وكان السؤال الذي شغله أعمق من تصنيف القصيدة بين الجودة والضعف: كيف يحدث الجمال؟ وما الذي يجعل كلمات مألوفة تتحوّل فجأة إلى أثر يهزّ النفس؟ هل المعنى كامن في الكلمات المنفردة أم أنّه يولد من العلاقات بينها؟الكلمة عند الجرجاني تشبه الحجر في معمار كامل، قيمتها الحقيقية تنبع من موقعها، وعلاقتها بما يسبقها وما يليها، ومن التوتّر والانسجام والمسافة داخل البناء الكامل.
فالأشياء تكتسب معناها عبر العلاقات، حتّى الإنسان نفسه يُفهم داخل سياقه.
بهذا المعنى، كان النقد عنده تدريباً على التفكير المُركَّب، وعلى مقاومة الأحكام السريعة.
ليست هذه الفكرة مجرّد نظرية في البلاغة، إنّها طريقة مستقلّة في رؤية العالم.
ولعلّ ما يجعل الجرجاني سابقاً لحدود زمنه أنّه لامس مبكّراً فكرة أنّ النصّ ليس مستودعاً مغلقاً للمعاني، وإنّما فضاءً تتولّد فيه الدلالات.
فالجمال عنده لا يأتي من فخامة المفردة أو الزينة اللفظية الخارجية، وإنّما من تلك الحركة الخفيّة بين العناصر، ومن الطريقة التي تغيّر بها كلمة واحدة مسار جملة كاملة، كما تُغيّر حركة صغيرة موقع حجر في قوس معماري ضخم.
لقد كان يرى اللغة بوصفها شبكة من العلاقات، فلا توجد الكلمة بمعزل عن النظام الذي يحتويها، ويصبح المعنى حدثاً يقع داخل العلاقة بين الأجزاء.
ومن هنا تبدو نظرية النظم أقرب إلى فلسفة تشكّل المعنى: فالنصّ لا يقول فحسب، بل يعتمل في النفس، وبقدر ما له آليات داخلية وطبقات ومساحات صامتة تشارك في إنتاج أثره.
النقد بهذه الطبقات، وعلى حافة هذه الجرأة، يحتاج إلى استعداد نفسي وفكري خاص.
يحتاج إلى القدرة على الوقوف أمام النصّ أو الفكرة أو الشخصية من دون رغبة فورية في الانضمام إليها أو محاكمتها.
الناقد الحقيقي يعيش في منطقة صعبة، مساحة التأمّل قبل الحكم، والفهم قبل التصنيف.
هذه المنطقة أصبحت ضيّقة في ما يسمّيه زيغمونت باومان بـ" عصر السرعة والسيولة".
وسائل التواصل الاجتماعي خلقت لدى المتلقي نمطاً من الاستجابة الفورية.
أصبح المطلوب من الإنسان أن يحدّد موقفه بسرعة، أن يعجب ويغضب ويشارك ويرفض ويصفّق فوراً.
أمّا التأمّل البطيء فقد صار يبدو تردّداً في عالم يلهث.
في الماضي، كان الناقد يستطيع أن يقضي سنوات أمام ظاهرة أدبية واحدة، واليوم تعبر عشرات النصوص والصور والأحداث أمام الإنسان خلال دقائق، فتحوّل العقل من مختبر للتحليل إلى جهاز استقبال مستمرّ، لا يهدأ ولا يركّز.
المشكلة الأعمق في حاضرنا أنّ النقد يحتاج أيضاً شجاعةً من نوع خاص.
شجاعة احتمال التعقيد وشجاعة طرح السؤال.
كثيرون يستطيعون اتخاذ موقف سريع لأنّ ذلك يمنح شعوراً بالاستقرار، أمّا السؤال فيضع صاحبه أمام المجهول.
ولهذا كان كبار النقّاد عبر التاريخ أشخاصاً مزعجين.
النقد بهذا المعنى ممارسة حضارية، فالمجتمعات التي تفقد النقد تفقد قدرتها على رؤية نفسها، وتتحوّل الثقافة فيها إلى مرايا تمدح أصحابها، بينما تخفي التفاصيل الصغيرة والتجاعيد والزوايا التي تهرب منها العين.
ولهذا، فإنّ غياب النقد يرتبط غالباً بغياب الثقة.
المجتمع الواثق يستطيع أن يرى عيوبه لأنّ الاعتراف بها جزء من تطوّره.
أمّا المجتمع الخائف فيتعامل مع كلّ ملاحظة كأنّها تهديد وجودي، وتتحوّل مجرّد الإشارة إلى أيّ خلل إلى خيانة.
منذ قرون تعامل الجرجاني بجرأة مع أعظم ما يملكه العرب: لغتهم وشعرهم، بوصفهما موضوعان قابلان للفحص والتدقيق، ولم يتردّد أمام سلطة الموروث.
وربّما كانت جرأته الكُبرى في رفض وهم الاكتمال: فكرة أنّ الأشياء تحمل حقيقتها النهائية لمجرّد أنّها موروثة وأنّنا ننتمي إليها.
فقد أدرك أنّ المعنى لا يسكن في العزلة، وأنّ أيّ محاولة لفصل الجزء عن شبكة علاقاته تنتهي غالباً إلى سوء فهمه.
وهذه ليست أزمة لغة وحدها.
فكثير من صراعاتنا الحديثة تبدأ حين تتحوّل الهُويّات من تجارب إنسانية متحرّكة إلى قوالب مغلقة، وحين يصبح الإنسان كلمةً منفردةً منزوعةً من جملتها الطويلة، من تاريخه وخوفه وذاكرته ومصالحه وتحوّلاته.
عندها لا نعود نحاول الفهم، بقدر ما نبحث عن إجابة سريعة تمنحنا الرضا والسكينة حتّى لو كانت هذه الإجابة تقتضي إنكار مجزرة.
ربّما لهذا يبقى درس الجرجاني حاضراً بعد قرون، لأنّه كشف شيئاً أعمق عن طريقة تشكّل المعنى.
فالحضارات لا تنهار دائماً عندما تفقد أجوبتها، وإنّما عندما تستبدل البحث عن الحقيقة بالبحث عن يقين يحميها من مواجهة ذاتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك