عقلية عدم الخسارة.
السلاح الفني الذي قاد مصر إلى الإنجازحسام حسن غيّر شخصية المنتخب وشوبير منح الجميع الثقةالإنجاز التاريخي يحتاج إلى مشروع استراتيجي يضمن استمرارهلم يكن وصول المنتخب المصري إلى الدور ثمن النهائي من بطولة كأس العالم مجرد نتيجة عابرة أو إنجاز رقمي يضاف إلى سجلات الكرة المصرية، بل مثل محطة تاريخية أعادت رسم صورة المنتخب على الساحة العالمية، وأكدت أن العمل الفني والإدارة الذكية للمباريات يمكن أن يصنعا الفارق حتى في مواجهة منتخبات تفوقه من الناحية الفردية والإمكانات.
وبينما احتفى الشارع المصري بهذا الإنجاز غير المسبوق، برزت العديد من القراءات الفنية التي حاولت تفسير أسرار النجاح والعوامل التي أسهمت في كتابة هذا الفصل الجديد من تاريخ الكرة المصرية.
ورأى نجم الأهلي ومنتخب مصر السابق تامر بجاتو، في رؤيته الفنية الخاصة لـ" البلاد الرياضي"، أن المنتخب المصري لم يعتمد فقط على المهارات الفردية أو الأسماء الكبيرة، وإنما نجح في بناء شخصية تنافسية واضحة جعلته يعبر أصعب المواقف خلال البطولة، مستفيدًا من الروح القتالية والانضباط التكتيكي والإدارة الفنية التي تعاملت مع كل مباراة وفق ظروفها، إضافة إلى التألق اللافت للحارس مصطفى شوبير الذي لعب دورًا محوريًا في تثبيت الثقة داخل الفريق.
وأكد بجاتو أن الإنجاز التاريخي يجب ألا يتوقف عند حدود الاحتفال، بل ينبغي أن يكون نقطة انطلاق نحو مشروع كروي متكامل يستثمر هذا النجاح في تطوير الكرة المصرية خلال السنوات المقبلة، حتى تتحول المشاركة المميزة في كأس العالم إلى قاعدة انطلاق لمرحلة أكثر استقرارًا ونجاحًا على المستويات كافة.
واعتبر بجاتو أن تقييم المستوى الفني لأي منتخب في بطولة بحجم كأس العالم يظل خاضعًا لاختلاف وجهات النظر والمدارس الكروية، إذ إن كل مدرسة تمتلك فلسفتها الخاصة في قراءة المباريات وتحليل الأداء، إلا أن هناك معيارًا ثابتًا لا يختلف عليه أحد، ويتمثل في النتائج التي يحققها المنتخب داخل أرضية الملعب، وهو ما نجح المنتخب المصري في تحقيقه بصورة واضحة طوال مشواره.
وأوضح أن المنتخب المصري استطاع عبور جميع مباريات دور المجموعات دون أن يتعرض لأي خسارة، معتبراً أن هذه النقطة كانت في حد ذاتها واحدة من أصعب الإنجازات الفنية التي يمكن تحقيقها في بطولة كأس العالم، لأن جميع المنتخبات تدخل مباريات الدور الأول بهدف جمع أكبر عدد ممكن من النقاط لضمان التأهل، الأمر الذي يجعل المنافسة في غاية الصعوبة منذ الجولة الأولى وحتى الأخيرة.
وأشار إلى أن فلسفة عدم الخسارة كانت من أبرز الركائز الفنية التي اعتمد عليها المدير الفني حسام حسن، إذ عمل منذ المباراة الأولى على ترسيخ هذه العقلية داخل الفريق، وهو ما انعكس بصورة واضحة على النتائج التي حققها المنتخب، ليتمكن من تجاوز مرحلة المجموعات بثبات وثقة.
وأضاف أن البداية أمام بلجيكا كانت في غاية الصعوبة من الناحية الفنية، إلا أن المنتخب نجح في التعامل مع مجريات اللقاء بصورة جيدة، قبل أن تأتي المواجهة الثانية أمام نيوزيلندا التي كشفت عن شخصية مختلفة للفريق، خاصة بعدما واجه المنتخب مشكلات واضحة خلال الشوط الأول.
ورأى أن الجهاز الفني تعامل مع تلك الصعوبات بصورة مميزة، بعدما استطاع تدارك الأخطاء خلال الشوط الثاني، الأمر الذي منح المنتخب فرصة العودة إلى أجواء المباراة وتغيير مسارها، وهو ما عكس قدرة الجهاز الفني واللاعبين على قراءة اللقاء والتعامل مع متغيراته.
وأكد أن مباراة إيران شهدت بدورها بعض المشكلات الفنية، إلا أن المنتخب تمكن من تجاوزها وتحقيق الهدف الأساسي المتمثل في الخروج دون خسارة، وهو ما اعتبره أحد أهم عوامل النجاح التي ميزت المنتخب المصري طوال البطولة.
ولفت إلى أن هذه العقلية مثلت نقطة القوة الحقيقية للفريق، لأنها وفرت الاستقرار النفسي للاعبين، وجعلتهم يخوضون المباريات بثقة أكبر، دون الوقوع تحت ضغوط البحث عن الفوز بأي ثمن.
وأشار بجاتو إلى أن إجراء مقارنة بين المنتخب المصري الحالي والمنتخبات التي شاركت في نسختي 1990 و2018 من كأس العالم يظل أمرًا بالغ الصعوبة، نظراً للفارق الزمني الكبير الذي يفصل بين تلك المشاركات، وما يترتب عليه من اختلاف كامل في الأجيال واللاعبين والأفكار الفنية.
وأوضح أن المنتخب المصري غاب سنوات طويلة بين مشاركتي 1990 و2018، ثم عاد بعد ثماني سنوات للمشاركة في نسخة 2026، وهي فترة شهدت تغيرات كبيرة على مستوى اللاعبين وطبيعة المنافسات وأساليب اللعب، الأمر الذي يجعل المقارنة الفنية المباشرة غير منصفة.
وأكد أن النتائج وحدها هي المعيار الحقيقي للمقارنة، مشيرًا إلى أن المدير الفني حسام حسن نجح في منح المنتخب شخصية مصرية واضحة داخل الملعب، اعتمدت بصورة كبيرة على الحماس والانتماء والقدرة على تحفيز اللاعبين نفسيًا قبل الجوانب الفنية.
وأوضح أن حسام حسن استطاع رفع معدلات التركيز لدى اللاعبين بصورة كبيرة، وهو ما ساعد الفريق على تعويض بعض النواقص الفنية والفروقات الفردية أمام عدد من المنتخبات المنافسة.
ورأى أن خبرة حسام حسن الطويلة كلاعب دولي مثلت عنصرًا حاسمًا في نجاحه، فهو أحد أبرز نجوم الكرة المصرية، وهداف تاريخي في بطولات كأس الأمم الإفريقية، كما سبق له المشاركة في كأس العالم 1990، إلى جانب عمله تحت قيادة المدرب الراحل محمود الجوهري الذي اكتسب منه الكثير من الخبرات التدريبية.
وأضاف أن شخصية حسام حسن الكبيرة داخل الكرة المصرية جعلت اللاعبين يتعاملون معه باحترام كبير، ليس فقط بصفته مديرًا فنيًا، وإنما أيضًا باعتباره أحد أعظم لاعبي الكرة المصرية، وهو ما انعكس بصورة واضحة على التزام اللاعبين وتنفيذهم التعليمات الفنية.
وأكد أن الحماس والإصرار والتركيز ظهرت بشكل لافت داخل المنتخب طوال البطولة، معتبراً أنها كانت أبرز السمات التي ميزت الفريق في هذه النسخة من كأس العالم.
الإنجاز التاريخي.
أرقام صنعت مرحلة جديدةوأوضح بجاتو أن المنتخب المصري لم يحقق مجرد مشاركة جيدة، بل سجل إنجازات تاريخية غير مسبوقة في مسيرة الكرة المصرية، بعدما بلغ دور الـ16 للمرة الأولى في تاريخه.
وأشار إلى أن المنتخب حقق أيضًا أول انتصار له في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، قبل أن يضيف فوزًا ثانيًا على حساب نيوزيلندا ثم أستراليا، وهو ما منح الإنجاز بعدًا تاريخيًا أكبر.
وأضاف أن عدد الأهداف التي سجلها المنتخب خلال البطولة يعد من الأرقام المهمة في تاريخ الكرة المصرية على مستوى كأس العالم، وهو ما يعكس التطور الذي ظهر عليه الفريق خلال هذه المشاركة.
إدارة المباريات صنعت الفارقورأى أن حسام حسن نجح بنسبة كبيرة وصلت إلى نحو 70% في إدارة مباريات البطولة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على النتائج.
وأوضح أن مواجهة بلجيكا كانت في غاية الصعوبة أمام منتخب كان يحتل المركز التاسع عالميًا، ورغم أن المنتخب البلجيكي لم يظهر بالصورة المتوقعة خلال البطولة، فإن أسماء مثل دوكو ودي بروين لم تقدم المستويات المنتظرة، وهو ما استثمره المنتخب المصري بصورة جيدة.
وأشار إلى أن مباراة نيوزيلندا كانت من أصعب المباريات، بعدما فرض المنتخب النيوزيلندي سيطرته على الشوط الأول ونجح في تسجيل هدف التقدم، إلا أن المنتخب المصري ظهر بصورة مختلفة تمامًا خلال الشوط الثاني.
وأكد أن العودة من التأخر إلى الفوز أمام منتخب منظم تعد من أصعب الأمور في كرة القدم، وهو ما نجح فيه المنتخب المصري بفضل شخصية اللاعبين وقدرتهم على التعامل مع ضغوط المباراة.
وأضاف أن مواجهة إيران كشفت استمرار وجود بعض المشكلات الدفاعية، إلا أن مصطفى شوبير لعب دورًا كبيرًا في تغطية تلك الثغرات، من خلال تألقه اللافت في حماية مرمى المنتخب.
وأوضح أن علاج تلك المشكلات الدفاعية لم يكن بالأمر السهل بالنسبة للجهاز الفني، خاصة في ظل ضيق الوقت، إلى جانب وجود إصابات وابتعاد بعض اللاعبين لفترات طويلة، فضلًا عن الفروقات الفردية المرتبطة بتراجع مستوى الدوري المصري خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على مستوى المنتخب.
وأكد بجاتو أن مصطفى شوبير كان أحد أهم مفاتيح النجاح خلال البطولة، بعدما منح الفريق قدرًا كبيرًا من الثقة داخل الملعب.
وأشار إلى أن الحارس لعب دورًا محوريًا في تجاوز المنتخب لدور المجموعات، بفضل تدخلاته الحاسمة وتصدياته المؤثرة في اللحظات الصعبة.
وأضاف أن اختياره أفضل حارس مرمى في دور المجموعات لم يأت من فراغ، بل كان انعكاسًا للمستوى الكبير الذي قدمه طوال البطولة.
أستراليا.
أفضلية مصرية رغم المعاناةوأوضح أن مباريات الأدوار الإقصائية تختلف تمامًا عن مباريات الدور الأول، لأن الأهم فيها يكون تحقيق الفوز بغض النظر عن شكل الأداء.
وأشار إلى أن المنتخب المصري نجح في تسجيل هدف التقدم أمام أستراليا، بينما لم يشكل المنتخب الأسترالي خطورة حقيقية على المرمى المصري باستثناء بعض الكرات المحدودة، إضافة إلى الهدف العكسي.
وأضاف أن المنتخب المصري كان قادرًا على حسم المباراة خلال وقتها الأصلي، إلا أن بعض المشكلات الدفاعية والإرهاق الذي أصاب عدداً من اللاعبين منح المنتخب الأسترالي فرصة العودة إلى أجواء اللقاء.
وأكد أن المنتخب المصري ظل الأفضل حتى خلال الشوط الثاني من الوقت الإضافي، وكان قريبًا من تسجيل هدفين إضافيين، لولا براعة حارس مرمى أستراليا الذي حال دون زيادة النتيجة.
وشدد بجاتو على أن أهم ما يجب الحفاظ عليه بعد هذا الإنجاز هو الحماس والطموح الكبير الذي ظهر داخل المنتخب المصري طوال البطولة.
وأوضح أن هذا الحلم تجسد في وجود أسماء كبيرة مثل محمد صلاح وعمر مرموش وبقية اللاعبين، مشيرًا إلى أن صلاح ومرموش تحديدًا يمثلان عنصرًا مهمًا داخل المنتخب رغم أنهما لم يحققا أي بطولة مع المنتخب المصري حتى الآن.
وأشار إلى أن مشاركة صلاح السابقة في كأس العالم 2018 لم تحقق النتائج المأمولة بعد خسارة المباريات الثلاث، وهو ما جعل هذه النسخة تمثل بالنسبة إليه حافزًا كبيرًا لإثبات نفسه في نهاية مسيرته الدولية.
وأضاف أن هذا الطموح انعكس أيضًا على بقية اللاعبين، ومنح المنتخب دوافع إضافية للاستمرار في المنافسة وتحقيق الإنجاز التاريخي.
وأكد أن المنتخب المصري يجب أن يحافظ على الحماس والتركيز واستغلال الكرات الثابتة والفرص القليلة التي تتاح له، لأنها مثلت أحد أهم أسلحته طوال البطولة، إلى جانب المحافظة على نظافة شباكه قدر الإمكان.
الإنجاز بداية مشروع وليس نهاية الطريقواختتم بجاتو رؤيته بالتأكيد على أن هذا الإنجاز سيمنح الكرة المصرية دفعة معنوية كبيرة، ليس فقط على مستوى المنتخب الأول، وإنما أيضًا بالنسبة للأجيال الصاعدة والناشئين الذين تابعوا هذا الإنجاز التاريخي.
وأشار إلى أن النجاح الذي تحقق سيرفع من قيمة المنتخب المصري وتصنيفه الدولي، كما سيزيد من قيمة اللاعب المصري ويعزز طموحات المواهب الشابة في الوصول إلى المستويات العالمية.
وأضاف أنه يتمنى أن يتم استثمار هذا الإنجاز من خلال وضع خطة واضحة تمتد حتى عام 2030 وما بعده، بحيث يتم البناء على ما تحقق وعدم الاكتفاء بالاحتفال بالإنجاز.
وأوضح أن التجربة المغربية يمكن أن تمثل نموذجًا مناسبًا للاستفادة منه، مشيرًا إلى أن المنتخب المغربي واجه منتخبات قوية وحقق نجاحات لافتة، كما حقق إنجازات في بطولات الفئات السنية والأولمبية.
وأكد أهمية أن يستغل اتحاد الكرة المصري والمسؤولون عن الرياضة في مصر هذا الإنجاز التاريخي لوضع رؤية واستراتيجية شاملة لتطوير المنتخبات الوطنية، والارتقاء بمستوى الدوري المصري، والعمل على زيادة احتراف اللاعبين المصريين في الخارج.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن السير وفق أسس علمية وخطط طويلة الأمد هو الطريق الحقيقي لإحداث نهضة شاملة في الكرة المصرية، بحيث يصبح هذا الإنجاز نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر إشراقًا واستقرارًا، وليس مجرد محطة تاريخية عابرة في سجل الكرة المصرية.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك