تاريخياً، لم تعتمد الدول الأوروبية على المكيفات خياراً للتبريد، لكن موجه الحرارة التي تجتاح القارة سببت طلباً عليها.
أظهرت بيانات" غوغل تريندز" لرصد المواضيع الأكثر نقاشاً، ارتفاعاً بنسبة 130% في عمليات البحث عن" تركيب مكيفات هواء منزلية" في فرنسا منذ بدء ارتفاع درجات الحرارة، ما يعكس زيادات مماثلة في عمليات البحث في دول أوروبية أخرى.
لكن تحوّل استخدام مكيفات الهواء إلى أزمة أثارت مواقف غريبة وسجالات عديدة في الرأي العام وبين السياسيين والخبراء.
أثناء ذلك، أعلنت نقابة أطباء رئيسية في ألمانيا أن معظم المستشفيات في البلاد غير مجهزة بغرف مكيفة للمرضى.
وذكرت رئيسة نقابة الأطباء في ماربورغ، سوزانا يوهنا، في تصريحات إذاعية أن" ثلث المستشفيات فقط توجد فيها غرف للمرضى مكيفة الهواء".
وذكرت أنه يتم علاج هذه المشكلة جزئياً من خلال حلول بديلة، إذ" كثيراً ما نطلب من أقارب المرضى إحضار أغراض مثل أكياس ثلج من المنزل، وهو ما يوفر راحة مؤقتة للمرضى".
وتسببت أزمة المكيفات هذه بظاهرة غريبة في فرنسا، إذ لجأ كثيرون إلى حجز غرف في الفنادق للاستفادة من أجهزة التكييف وإمكانية استخدام المسابح.
وسجلت درجات الحرارة في باريس مستوى غير مسبوق في يونيو/حزيران بلغ 40.
9 درجة مئوية، وسجّلت فرنسا أعلى درجات حرارة منذ بدء توثيق البيانات قبل نحو 80 عاماً.
وعدد قليل من الشقق في البلاد مزود بأجهزة تكييف، لا سيما في العاصمة المكتظة بالسكان.
وتغطي نحو ثلاثة أرباع أسطح مباني باريس ألواح من الزنك، وهي مادة تمتص الحرارة وتنقلها.
وأدى ذلك إلى اندفاع كبير نحو الفنادق، سواء داخل المدن أو خارجها.
وتسبّبت المكيفات في أزمة داخل المفوضية الأوروبية؛ إذ قرّرت إيقاف تشغيل نظام التكييف في مقرها الرئيسي في بروكسل، لكن فقط في الطوابق السفلية بحسب المنتقدين، ما أثار غضب الموظفين.
وبحسب صحيفة بوليتيكو الأميركية، أُبلغ موظفو المفوضية، في رسالة أُرسلت إليهم، بأنه جرى إيقاف نظام التكييف في الطوابق من الأول إلى السابع في المبنى إلزامياً لبقية اليوم، بسبب الظروف الجوية القاسية.
لكن الصحيفة نقلت عن مصدر أن المكيفات استمرت بالعمل في الطوابق العليا التي توجد فيها مكاتب المفوضين، منتقداً هذا الإجراء بقوله: " الأمر أشبه بالإقطاعية".
أثناء ذلك، تعاني أوروبا انقساماً سياسياً حول استخدام المكيفات.
جدّدت مارين لوبان، الشخصية البارزة في اليمين المتطرف، دعواتها لتوسيع نطاق استخدام مكيفات الهواء على مستوى البلاد، متعهدةً بوضع" خطة شاملة لتجهيزات مكيفات الهواء".
بينما يرفضها منافسها اليساري، جان لوك ميلانشون، داعياً إلى تحسين عزل المباني.
عبّر المعلقون في الإنترنت، خصوصاً في أميركا، عن استغرابهم من أزمة مكيفات الهواء في القارة المتقدّمة.
وفعلاً استخدام مكيفات الهواء في أوروبا منخفض نسبياً مقارنةً بالقارات الأخرى، وخاصة أميركا الشمالية وآسيا، إذ لا تتجاوز نسبة المنازل المجهزة بمكيفات الهواء الـ20%.
وتتصدر إيطاليا كمية الكهرباء المنزلية المستخدمة لتبريد المساحات، تليها اليونان وفرنسا وإسبانيا.
ووفقاً لتحليل أجرته مجموعة بوسطن الاستشارية، استناداً إلى توقعات وكالة الطاقة الدولية، قد يصل عدد المكيفات في الاتحاد الأوروبي إلى 275 مليون وحدة بحلول عام 2050، أي أكثر من ضعف مستويات عام 2019.
لكن هناك عوامل تفسر عدم انتشار استخدام أجهزة التكييف في أوروبا.
أحدها ببساطة أن هذه الدول كانت تتمتع تاريخياً بمناخ معتدل، وبالتالي لم تكن بحاجة إلى انتشار واسع لأجهزة التكييف، حتى جاء التغير المناخي ورفع درجات الحرارة العالمية.
ويرى الخبراء بعض التعقيدات بتركيب المكيفات في المنطقة، إذ إن أجهزة التكييف تلعب دوراً مهماً في حماية الناس من المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة، لكن انتشارها الواسع له تكاليف بيئية، إذ تزيد الطلب على الكهرباء، وإذا كانت تعمل بالوقود الأحفوري فإنها تُسهم في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
كما أنها تُهدر الحرارة في الهواء الطلق، ما قد يفاقم ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، ويجعل المناطق المكتظة بالسكان أكثر حرارة، ويزيد الضغط على شبكة الطاقة، ما يسبب خطر انقطاع التيار الكهربائي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك