لم يكن الطفل الفلسطيني محمد غبون (12 عاماً)، يتخيل أن الليلة التي نام فيها إلى جوار والدته وإخوته داخل منزل جده ستكون الأخيرة التي تجمعهم معاً، وأن قصفاً إسرائيلياً مباغتاً سيفرقهم إلى الأبد.
في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقبل وقت قصير من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، كانت العائلة تظن أن ساعات الحرب الأخيرة قد انقضت، وأن بإمكانها أخيراً أن تنام دون خوف من الغارات، لكن تلك الساعات تحولت إلى واحدة من أكثر الليالي مأساوية في حياة محمد، بعدما استهدفت الطائرات الحربية منزل جدّه المكون من ستة طوابق من دون أي تحذير مسبق.
كانت الأسرة، إلى جانب عدد كبير من الأقارب، تغطّ في نوم عميق عندما دوى انفجار هائل حوّل المبنى إلى كومة من الركام خلال ثوان معدودة.
ولم يمنح القصف أحداً فرصة للنجاة أو حتى للهروب، إذ انهارت الطوابق فوق ساكنيها، ودفنت تحتها عشرات الأرواح، في لحظات قليلة اختفت أصوات الأطفال وضحكاتهم، وحل مكانها صراخ الناجين ومحاولات الإنقاذ التي اصطدمت بغياب المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض.
أسفر القصف عن استشهاد 27 شخصاً من أفراد العائلة، كانت من بينهم والدة محمد وستة من أشقائه، إضافة إلى عدد من أقاربه الذين كانوا قد احتموا في المنزل اعتقاداً منهم بأنه أكثر أمناً، ورغم مرور أشهر على المجزرة، لا تزال جثامين عدد من الشهداء مدفونة تحت الركام، بعدما حالت ضخامة المبنى المنهار وعدم توفر الآليات الثقيلة دون انتشالهم، لتبقى العائلة تعيش وجعاً مضاعفاً بين الفقد وحرمانها من وداع أحبائها ودفنهم.
أما محمد، فقد كان الناجي الوحيد من أسرته الصغيرة، ويقول إنه انتشل من تحت الأنقاض بعد ساعات من البحث، وهو مصاب بجروح بالغة في أنحاء جسده، بينما كان فاقد الوعي وغارقاً في الدماء، ونقل على الفور إلى المستشفى، حيث خضع لسلسلة من العمليات والإجراءات الطبية لإنقاذ حياته.
ويوضح الطفل لـ" العربي الجديد" أنه تعرض لجروح عميقة في يده استلزمت تنظيفها وإغلاقها بعدد من الغرز الطبية، فيما كانت الإصابة الأخطر في قدمه اليسرى التي تعرضت لكسور معقدة، أجبرت الأطباء على إجراء عملية جراحية لتثبيت العظام باستخدام صفائح معدنية (بلاتين).
كما اخترقت الشظايا وجهه وتركت آثاراً واضحة، إلى جانب إصابات متفرقة في أنحاء جسده النحيل، ما جعله يقضي فترة طويلة بين غرف العمليات وأقسام العلاج الطبيعي في محاولة لاستعادة قدرته على الحركة.
ورغم أن جراحه الجسدية بدأت تلتئم تدريجياً، فإن الجرح الأكبر بقي يسكن بداخله، فكلما فتح عينيه في المستشفى، كان يسأل عن والدته وإخوته، قبل أن يدرك أنه أصبح وحيداً، وأن الأسرة التي كانت تملأ حياته دفئاً وضجيجاً رحل جميع أفرادها في دقائق معدودة، لم يعد هناك من يوقظه صباحاً، أو يشاركه الطعام واللعب، أو ينتظره عند عودته إلى المنزل، لأن المنزل نفسه تحول إلى ركام، والعائلة أصبحت ذكرى.
ويعيش محمد اليوم بين أقارب نجوا من المجزرة، محاولين تعويض جزء من الحنان الذي فقده، إلا أن الفراغ الذي تركته والدته وإخوته لا يمكن أن يملأه أحد، وبين الحين والآخر يعود بذاكرته إلى تفاصيل الليلة الأخيرة، يتذكر كيف نام الجميع وهم يظنون أن الحرب انتهت، وكيف استيقظ هو وحيداً وسط الغبار والظلام، عاجزاً عن سماع أي صوت سوى أنين الجرحى.
ولا تزال آثار الإصابة تلازمه، إذ يواجه صعوبة في المشي بسبب الكسور التي تعرض لها، ويحتاج إلى متابعة طبية وتأهيل مستمر، فيما تذكره الندوب المنتشرة على وجهه ويديه في كل مرة ينظر فيها إلى المرآة بما حدث في تلك الليلة.
قصة محمد ليست مجرد حكاية طفل نجا من قصف، إنما هي حكاية طفولة فقدت عائلتها بالكامل في لحظة واحدة، فمن بين سبعة وعشرين شخصاً كانوا داخل المنزل، بقي محمد شاهداً وحيداً على المجزرة، يحمل أسماء أحبته في ذاكرته، ويحاول أن يعيش حياة جديدة مثقلة بالفقد والألم.
صحيح أن محمد خرج من تحت الركام بجسد أنهكته الجراح، لكن قلبه بقي هناك، بين حجارة المنزل المنهار، حيث لا تزال بقايا أفراد من عائلته تنتظر من ينتشلها ويواريها الثرى، بينما يحمل هو وحده عبء رواية قصتهم للأبد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك