التدهور والتخلف الاقتصادي والاجتماعي في السودان هو نتاج تطور تاريخي طويل’ و يمكن تحديد العوامل والمؤثرات والعقبات التي وقفت في طريق التطور والنمو الاقتصادي بما في ذلك الرأسمالية السودانية والتي حالت دون أن تتمكن من قيادة النهضة الصناعية والزراعية، رغم أن بذور نشأتها كانت مبكرة ومعاصرة للثورة الصناعية في أوربا، فقد نشأت في خضم عمليات التراكم البدائي للرأسمال التجاري في سلطنة سنار، ويمكن أن نلخص أهم الأسباب التي أدت إلى إجهاض دور الرأسمالية السودانية في قيادة النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الآتي: _اولا – لم تستطع الرأسمالية التجارية أن تحقق نصرا حاسما في صراعها ضد الطبقة الإقطاعية في سلطنة سنار والتي كان على رأسها السلطان الذي كان يحتكر سلعتي الذهب والرقيق وبالتالي فشلت في الانفراد بقيادة الدولة كما فعلت الطبقة الرأسمالية في أوربا، هذا فضلا لتوقف التطور الطبيعي الباطني لهذا الصراع بسبب تدخل عامل خارجي هو الاحتلال التركي للسودان.
ثانيا _ كان الاحتلال التركي المصري جذرا أساسيا من جذور تخلف السودان ومن العوامل التي حالت دون تطور الرأسمالية السودانية وبالتالي دون مساهمتها في قيادة دفة النهضة الصناعية والزراعية.
فقد اصبح الاقتصاد السوداني متوجها لخدمة أهداف دولة محمد على باشا في مصر والذي كان يهدف إلى تحقيق نهضة صناعية وزراعية في مصر واللحاق بركب البلدان الأوربية، ودارت كل عجلة التنمية في ظل الاحتلال التركي لخدمة ذلك الهدف، إضافة لنهب موارد البلاد المادية والبشرية.
لقد احدث الحكم التركي تشوهات والحق دمارا بتركيبة المجتمع السوداني وارهق كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة والتي حالت دون النهضة الزراعية والصناعية رغم مظاهر التحديث التي ادخلها الحكم التركي في البلاد مثل إدخال التعليم المدني ونمط الدولة المدني وإدخال المحاصيل النقدية في الزراعة مثل القطن والنيلة وإدخال البواخر النهرية والتلغراف وربط البلاد بالسوق الرأسمالي العالمي.
وكان رد الفعل من السودانيين على السياسات التي انتهجها النظام هي المقاومة والانتفاضات المستمرة حتى تم تتويجها بالثورة المهدية.
ثالثا _ ثم جاءت فترة المهدية التي تميزت بعدم الاستقرار والحروبات المتصلة والصراعات الداخلية والخارجية وإهمال القطاع الزراعي بسبب التهجير الواسع للمزارعين واسرهم تلبية لنداء الجهاد مما أدى لتدهور الزراعة وانتشار المجاعات مثل مجاعة سنة 1306 ه.
وبالتالي لم يكن الجو مساعدا لنمو وتطور الرأسمالية السودانية، كما أن طبيعة الدولة كانت دينية وقامت بإلغاء التعليم المدني وحطمت جهاز الدولة التركي بحسناته وسيئاته ولكنها في مرحله لاحقه اضطرت للاستفاده من موظفي جهاز الدولة السابق في إدارة جهاز الدولة الجديد، ولكن رغم الظروف الموضوعية المعاكسة كانت الرأسمالية التجارية تشق طريقها في ظروف وأوضاع صعبة، ونلاحظ الاتجاه المستمر لتطور الصناعات الحرفية مثل صناعة النسيج والأحذية، ولكن الاحتلال الإنجليزي _ المصري قطع التطور الطبيعي مرة أخرى، واصبح السودان خاضعا مرة أخرى لاحتياجات بريطانيا الخارجية.
رابعا _ كان الهدف الرئيسي للاحتلال البريطاني للسودان هو تحويل السودان ألي مزرعة قطن كبيرة تلبية لاحتياجات مصانعها في لانكشير وغيرها، ودارت كل عجلة التنمية الاستعمارية لتحقيق هذا الهدف، وتم إلغاء نظام الرق وصدور قوانين جديدة لملكية الأرض، وقام مشروع الجزيرة ومشاريع القطن في القاش وطوكر وجبال النوبا ومشاريع النيل الأبيض، وتم إنشاء خزان سنار، وقامت ميناء بور تسودان، وتم ربط أجزاء البلاد بشبكة من خطوط السكك الحديدية حتى يتم نقل القطن من مواقع الإنتاج إلى الميناء، ثم إلى لانكشير، هذا إضافة للتبادل غير المتكافئ بين السودان وبقية البلدان الرأسمالية المتطورة والتي تتمثل في تصدير مواد أولية رخيصة الثمن واستيراد مواد مصنعة مما أدى إلى تزايد التخلف بمتوالية هندسية.
وانعكس محصول التنمية الاستعمارية على البلاد والذي تمثل في التطور غير المتوازن للبلاد وضعف نسبة التعليم والخدمات الصحية واعتماد البلاد على محصول نقدي واحد ( القطن )، واستنزاف الشركات الأجنبية للفائض الاقتصادي وتصديره للخارج وتعميق الفوارق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين الشمال والجنوب، حتى انفجرت مشكلة الجنوب في أغسطس 1955 م.
خامسا _ وبعد الاستقلال لم يحدث تغيير يذكر في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها الاستعمار، وازداد الوضع سوءا بسبب عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية التي عقدت الأوضاع الاقتصادية والسياسية وعمقت مشكلة الجنوب عن طريق الحل العسكري ومصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية، وكان حصاد أكثر من ٧٠ عاما من الاستقلال على النحو التالي:_ انهيار البنيات الأساسية والمشاريع التي خلفها الاستعمار مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والنقل النهري والخطوط الجوية السودانية والخدمة المدنية التي كانت تتميز بدرجة عالية من الكفاءة والانضباط.
الخ_ ديون خارجية تجاوزت ٦٠ مليار دولار.
_ عجز غذائي وحروب ومجاعات ونزوح لامثيل له منذ فترة المهدية من الأرياف إلى المدن بسبب انهيار الخدمات والضرائب الباهظة على المزارعين والرعاة وخاصة في فترة الإنقاذ.
_ توسع وتعمق حرب الجنوب وخاصة بعد انقلاب 30 يونيو 1989 م حتى أصبحت الحرب تشمل دار فور ومناطق الشرق وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبا مما أدى للتدخل الأجنبي وفقدان البلاد لسيادتها الوطنية.
وادي لفصل الجنوب وتهدد الحرب الجارية حاليا بين الجيش والدعم السريع بتمزيق ما تبقى من الوطن.
_ انهيار خدمات التعليم والصحة و الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمات البيطرية.
_ عدم تحقيق الأهداف المباشرة المنشودة من التنمية الرأسمالية التي قادتها الأنظمة العسكرية والمدنية في السودان.
إضافة للآثار السلبية لتضخيم دور الاستثمار في التنمية.
_ عدم الثقة بالنفس وتزايد الاعتماد على الغير والهبات والمعونات.
_ على أن الوضع اخذ في التدهور المريع منذ بداية انقلاب 25 مايو 1969 م عندما تم تحجيم الرأسمالية الوطنية التي بدأت تلج ميدان الإنتاج الصناعي والزراعي بالتأميمات والمصادرة العشوائية، ومنذ العام 1978 م وبعد التخفيضات المتوالية للجنية السوداني انهار الإنتاج الصناعي والزراعي وتزايد النشاط الطفيلي الذي دمر الاقتصاد السوداني بتهريب الفائض الاقتصادي للخارج.
_ وبعد انقلاب 30 يونيو 1989 م تفاقم التدهور الاقتصادي بعد سياسات الخصخصة التي اعتمدتها الحكومة ورفع الدعم عن السلع الأساسية والتعليم والخدمات الصحية وإرهاق كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة وتم إفقار المواطنين حتى أصبحت نسبة الفقر 94 % حسب الإحصاءات الرسمية، أصبحت الطفيلية الإسلامية هي السائدة والتي تراكمت ثرواتها من نهب القطاع العام والمال العام، وتم تجميد أموال ضخمة في بناء العقارات والتي أصبحت هي النشاط السائد وارتفعت أسعار الأراضي بشكل لامثيل له في السابق وازدادت غابات الأسمنت بعد أن تدمير الغابات الطبيعية وبالتالي تم تعطيل فائض اقتصادي كبير كان يمكن توجيهه في التنمية الزراعية والصناعية.
وحتى بعد أن تم استخراج البترول والذهب كان من الممكن أن ينعكس ذلك إيجابيا على حياة المواطنين اليومية وعلى تطور الإنتاج الزراعي والصناعي ولكن ذلك لم يتم، واصبحت عائدات البترول مصدرا إضافيا لتراكم ثروات الرأسمالية الطفيلية، اضافة للاستثمار في التعليم والصحة واللذين اصبحا مصدرين من مصادر التراكم الرأسمالي.
وجاءت الحرب الجارية بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ لتزيد الطين بلة في تعويق مسيرة الرأسمالية السودانية بعد تدمير المصانع والإنتاج الصناعي والزراعي.
وخلاصة القول إن الرأسمالية السودانية فشلت في قيادة النهضة الصناعية والزراعية والاجتماعية والثقافية كما فشلت الأنظمة المدنية والعسكرية التي تعاقبت بعد الاستقلال في إنجاز مهام النهضة الوطنية الديمقراطية وقيام دولة المؤسسات وحكم القانون ورفع مستويات المعيشة وترقية خدمات التعليم والصحة والكهرباء وتوفير البنيات الأساسية اللازمة للنهضة والتطور، حتى اصبح السودان في ذيل قائمة الدول الأكثر تخلفا فى العالم، رغم إمكانياته وموارده الاقتصادية والزراعية والحيوانية والبترولية والمعدنية.
وما زالت البلاد تنتظر قيادة جديدة لإنجاز مهام وقف الحرب واستعادة مسار الثورة وعدم الإفلات من العقاب وقيام الحكم المدني’ وتفكيك التمكين وإعادة ممتلكات الشعب المنهوبة وقيام دولة المؤسسات وحكم القانون وتحقيق المجتمع الصناعي الزراعي المتطور والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة بين أقاليم البلاد المختلفة وترسى دعائم الوحدة والسلام المستدام والديمقراطية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك