" اذهب إلى جدتك".
كانت هذه الجملة الساخرة تطارد الطفل الذي سيصبح بعد سنوات أحد أبرز حراس المرمى في بطولة كأس العالم 2026.
إنها قصة فوزينيا، حارس منتخب كاب فيردي، الذي أثبت أن التجارب الصعبة لا تمنع النجاح، بل قد تكون أحيانًا الشرارة التي تدفع الإنسان إلى تحقيق أحلامه.
ووفقًا لما نشره موقع Portal Tela البرازيلي، فإن الاسم الحقيقي للحارس هو جوزيمار جوزيه إيفورا دياس، لكنه اشتهر باسم فوزينيا (Vozinha)، وهو لقب حصل عليه في طفولته بسبب تعرضه للتنمر.
وكان فوزينيا يعيش مع جدته، وعندما كان يعود إلى المنزل حزينًا بعد خسارة مباريات كرة القدم أو بعد مشاجراته مع الأطفال الأكبر سنًا، كان أقرانه يسخرون منه ويقولون: " اذهب إلى جدتك"، ومن هنا التصق به لقب" فوزينيا"، الذي يرتبط في اللغة البرتغالية بكلمة" الجدة".
من لقب يكرهه إلى اسم يعرفه العالمفي البداية، لم يكن الحارس الشاب يحب هذا اللقب لأنه كان يذكره بأيام التنمر، لكنه قرر بعد ذلك أن يحوله إلى نقطة قوة.
وذكر موقع beIN SPORTS أن فوزينيا اختار بنفسه أن يضع هذا الاسم على قميصه عندما بدأ مشواره الاحترافي، ليصبح اللقب الذي كان مصدرًا للألم هو الاسم الذي عرفته به جماهير كرة القدم حول العالم.
ولم تكن رحلة النجاح سهلة، فقد عمل كهربائيًا لسنوات طويلة من أجل إعالة أسرته، ولم يحصل على أول عقد احترافي إلا في سن السادسة والعشرين، وهو عمر يعتبر متأخرًا بالنسبة لمعظم لاعبي كرة القدم.
ورغم ذلك، واصل التدريب والعمل حتى أصبح الحارس الأول لمنتخب كاب فيردي، ثم خطف الأنظار خلال بطولة كأس العالم 2026 بعد تصدياته المميزة أمام أقوى المنتخبات، ليصبح حديث وسائل الإعلام العالمية.
يرى خبراء الصحة النفسية أن قصة فوزينيا تعكس مفهومًا يعرف باسم" المرونة النفسية"، وهي قدرة الإنسان على التكيف مع الأزمات وتحويل التجارب المؤلمة إلى دافع لتحقيق النجاح.
وتوضح الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) أن التعرض للتنمر في مرحلة الطفولة قد يزيد من خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب، وانخفاض تقدير الذات، وصعوبة تكوين العلاقات الاجتماعية، وقد تمتد هذه الآثار إلى مرحلة البلوغ إذا لم يحصل الطفل على الدعم النفسي المناسب.
لكن الجمعية تؤكد أيضًا أن وجود بيئة داعمة، أو هدف واضح، أو شغف حقيقي، قد يساعد بعض الأشخاص على تجاوز هذه التجارب وبناء شخصية أكثر قوة وقدرة على مواجهة التحديات.
ويحذر خبراء الصحة النفسية من الاعتقاد بأن التنمر يصنع النجاح، فالأبحاث تؤكد أن التنمر يسبب أضرارًا نفسية قد تكون شديدة لدى كثير من الأطفال.
لكن ما حدث مع فوزينيا يمثل استثناءً ملهمًا، إذ نجح في استغلال التجربة كحافز لإثبات نفسه، بدلًا من الاستسلام لها، وهو ما يعرف في علم النفس بـ*" النمو بعد المحن"، أي قدرة بعض الأشخاص على اكتساب قوة وخبرات جديدة بعد المرور بتجارب صعبة.
ويؤكد الأطباء أن أفضل وسيلة لحماية الأطفال ليست دفعهم لتحمل التنمر، وإنما منعه من الأساس، مع تقديم الدعم النفسي المبكر لأي طفل يتعرض له، حتى لا تتحول التجربة إلى أزمة تؤثر في مستقبله.
وتبقى قصة فوزينيا رسالة أمل، ليس لأن التنمر كان سبب نجاحه، ولكن لأنه رفض أن يسمح له بأن يرسم مستقبله، فحوّل السخرية إلى دافع، واللقب الذي أطلقه عليه المتنمرون إلى اسم يتردد اليوم في أكبر ملاعب العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك