حظيت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق باهتمام واسع في وسائل الإعلام الدولية، باعتبارها محطة بارزة في مسار انفتاح غربي جديد على سوريا بعد مرحلة طويلة من القطيعة السياسية.
وتباينت زوايا التغطية بين التركيز على الأبعاد الدبلوماسية للزيارة، ومساعي إعادة دمج سوريا في محيطها الدولي، إلى جانب ملفات إعادة الإعمار والاستثمار، بينما ركزت بعض وسائل الإعلام الإقليمية على الجوانب الأمنية والتحفظات المرتبطة بالمرحلة الانتقالية.
ويستعرض هذا الرصد للتغطية الصحفية أبرز ما تناولته وسائل الإعلام الغربية والتركية والإسرائيلية حول الزيارة، والرسائل التي حملتها كل تغطية.
البداية مع أسوشيتد برس التي رأت أن تلك الزيارة أتت وسط هدوء نسبي في الشرق الأوسط عقب الحرب في إيران ولبنان، وبعدها سيتوجه ماكرون إلى أنقرة لحضور قمة الناتو.
أما دويتشه فيليه فقد ركزت على أهمية تلك الزيارة بالنسبة لسوريا، في وقت يسعى الرئيس الشرع لاستعادة مكانة بلده على الساحة الدولية وإحياء علاقاتها مع الدول الأخرى، وقد رافق ماكرون في زيارته عدد من كبار رجال الأعمال وعلى رأسهم رودولف سعادة الرئيس التنفيذي لشركة CMA CGM وباتريك بويانيه الرئيس التنفيذي لشركة توتال، وقد أعاد الرئيس ماكرون 23 قطعة أثرية سورية بعد أن أعيرت لمعهد العالم العربي في باريس عام 2010.
ورأت وكالة رويترز أن زيارة الرئيس الفرنسي لسوريا تعبر عن تحولها الجيوسياسي تحت قيادة الشرع، وقد كان ماكرون من الأصوات البارزة التي دعت لرفع العقوبات الغربية عن سوريا، كما ذكرت بأن ماكرون أوضح للشرع أنه لا يجوز لسوريا تحت أي ظرف إرسال قواتها إلى لبنان، فوعده الشرع بعدم التدخل، ثم تطرقت الوكالة للحديث عن دور فرنسا في الوساطة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية بعد سقوط الأسد.
وبالحديث عن الزيارة، ذكرت صحيفة إندبندنت أن باريس دعمت القيادة السورية الجديدة في وقت شكك بها الجميع وأبدوا قلقهم تجاه مسألة التشميل بالنسبة للنساء والأقليات، إلى جانب مدى قدرتها على الانتقال بسوريا نحو نظام حكم ديمقراطي.
وتحدثت South China Morning Post عن العلاقات التاريخية بين سوريا وفرنسا، وأوردت وصف الشرع للدور الفرنسي بالبنّاء خلال مرحلة الانتقال السياسي بسوريا.
أما يورو نيوز فقد تطرقت لدعم فرنسا لكل من يرغب بالمساهمة في بناء سوريا الجديدة، وتحدثت عن مقابلة الشرع على قناة BFMTV الفرنسية التي ذكر فيها كيف يتعامل ماكرون مع سوريا في كل خطوة ومرحلة من العملية الانتقالية.
وترى بلومبيرغ أن زيارة ماكرون تهدف إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة وتنويع مسارات التوريد بين أوروبا والشرق الوسط، فيما ركزت منصة NewsCord البريطانية على أهمية الزيارة وسعيها لتعميق التعامل الأوروبي مع سوريا في ظل دبلوماسية الناتو، في حين تحدثت وكالة الأنباء الألمانية عن تاريخ العلاقات بين سوريا وفرنسا، وكيف ساءت العلاقات بين البلدين عقب اندلاع الثورة السورية في عام 2011، عندما طالبت باريس برحيل الأسد، كما كانت أول دولة تنضم للتحالف الدولي لمحاربة" تنظيم الدولة" (داعش) إلى جانب دعمها للمعارضة السورية، ثم سعيها لإصلاح العلاقات مع سوريا عقب الإطاحة بالأسد حيث استقبل الرئيس ماكرون الرئيس الشرع في قصر الإيليزيه في العام الماضي.
وفي سياق الزيارة، تحدث موقع Caliber الأذري عن استعداد سوريا للتوقيع على اتفاقية تتصل بشراء ثماني طائرات إيرباص أوروبية في ظل تحديث الخطوط العربية السورية لأسطولها بدعم من قطر، بما أن الأسطول الحالي يشمل فقط 12 طائرة ركاب وشحن، وأتى ذلك الإعلان خلال مقابلة أجرتها قناة فرنسية مع الرئيس الشرع إثر استقباله للرئيس الفرنسي ماكرون في دمشق.
فيما نشر موقع World Is One News الهندي عن زيارة ماكرون لدمشق ووصفها بنقطة تحول بالنسبة لسوريا بعد الأسد، وذلك بعد مرور 17 عاماً على آخر زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا، وركز الموقع أيضاً على أهمية تلك الزيارة كونها تعبر عن التزام فرنسي بدعم سوريا في مجال إعادة الإعمار وتأسيس شراكة جديدة تبنى على التعاون الاقتصادي والأمني.
تحت عنوان: " سوريا وفرنسا توقعان اتفاقيات خلال زيارة ماكرون" ركزت وكالة الأناضول على عزم فرنسا على الإسهام في تطوير البنية التحتية والقطاع المالي بسوريا حسبما ذكر الرئيس الشرع الذي أكد بأن هذه الزيارة تمثل تطوراً مهماً في العلاقات بين البلدين.
أما Turkiye Today فقد رصدت أصداء الزيارة بين المواطنين السوريين الذين أبدوا تفاؤلاً حذراً تجاهها كونها أتت في مرحلة صعبة بعد تفجير وقع بأحد مقاهي دمشق خلال الأسبوع الماضي.
تحت عنوان: " باريس تفوز بالموانئ، وإسرائيل تحصل على الصواريخ.
الحقيقة القاتمة لزيارة ماكرون إلى سوريا"، كتب الصحفي أمين أيوب في صحيفة يديعوت أحرونوت كيف تختلف نظرة إسرائيل لتلك الزيارة التي اعتبرتها بمثابة إضفاء شرعية أوروبية على وصول تيار إسلامي إلى السلطة، إذ يرى الكاتب أن الدبلوماسية الفرنسية تسعى لاقتناص أفضل الفرص الاستثمارية في السوق السورية الناشئة، مع تغليف ذلك بخطاب التضامن مع الشعب السوري، كما عرج للحديث عن التعارض بين الموقفين الفرنسي والأميركي بشأن تدخل سوريا بلبنان.
أما بخصوص استقرار سوريا، فإنه يتمثل بنظر إسرائيل في مناطق حدودية منزوعة السلاح وتفكيك الشبكات المتطرفة، وزيارة ماكرون لا تحقق أياً من ذلك برأي الكاتب، بما أن الجميع على تلك الطاولة لديه مصلحة، بيد أن إسرائيل هي الوحيدة التي تُقاس مصلحتها بمدى الصواريخ.
بعد أن وصفت زيارة ماكرون لدمشق بالتاريخية، تحدثت Israel National News عن الوفد الذي رافق ماكرون، بهدف إجراء نقاشات رسمية حول بروتوكولات الدفاع في المنطقة إلى جانب فرص تمويل المشاريع التجارية والشركات.
وفي تحليل نشرته جيروزاليم بوست، رأت الصحيفة في تلك الزيارة رمزية مهمة بالنسبة لسوريا التي تسعى لإبراز مكانتها المتميزة في المنطقة.
وعرج التحليل على العداء الذي أبدته إسرائيل تجاه الحكومة السورية الجديدة التي تعتبرها مقربة من أنقرة، والأخيرة تمثل تهديداً وخصماً لإسرائيل.
بشكل عام، عكست التغطيات الإعلامية المختلفة تعدد القراءات حول زيارة ماكرون إلى دمشق؛ إذ ركزت وسائل الإعلام الأوروبية والغربية على فرص التعاون السياسي والاقتصادي ودعم مسار إعادة الإعمار، فيما أولت التغطيات التركية اهتماماً بتعزيز العلاقات الإقليمية، بينما انصبت التغطيات الإسرائيلية بدرجة أكبر على المخاوف الأمنية ومستقبل التوازنات في المنطقة.
وبينما اعتُبرت الزيارة من قبل بعض المصادر خطوة نحو إعادة تموضع سوريا دولياً، رأت مصادر أخرى أنها تحمل تحديات وأسئلة مفتوحة مرتبطة بمستقبل الحكم والاستقرار والأمن الإقليمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك