تتسم تجربة الفنان يوسف مهري بغنى تشكيلاتها وتنوعها، إذ استطاع أن يبلور أسلوبا فنيا خاصا من خلال إنتاج غزير يجمع بين الأصالة والتجديد.
وقد بلغ في هذه التجربة مرحلة متقدمة من النضج التشكيلي، مستلهما التراث برؤية معاصرة، جعلت أعماله علامات بارزة على المستويين الفني والجمالي، بفضل ما تنطوي عليه من صيغ تشكيلية متعددة ورؤى إبداعية متجددة.
وقد أثارت هذه التجربة رهانا فنيا وثقافيا وتراثيا، إذ أسهمت تجلياتها المختلفة في إثراء المشهد التشكيلي التونسي وتعزيز بنيته الجمالية والفكرية.
وتنبع فرادة أعمال مهري من قدرتها على استيعاب منظومة واسعة من الرموز والأشكال والعلامات والألوان، التي تستحضر الذاكرة التراثية في أبعادها الثقافية والحضارية، وتعيد تقديمها ضمن خطاب بصري معاصر يزاوج بين العمق الدلالي والابتكار التشكيلي.
في ظل التحولات المثيرة التي وظف من خلالها مهري العديد من المفردات التشكيلية بمشتملاتها التقنية والمعرفية، وبمسالكها الفنية والجمالية لإنتاج المعنى المشترك.
ومن ذلك ظهرت مفردات جديدة في هذه التشكيلات داخل منجزه الفني؛ قامت على أساس صنع تركيبات تشكيلية تطرح العديد من المواصفات الفنية والجمالية، التي قدمها المبدع بتقنيات عالية.
الأمر الذي أسهم في تحطيم الإيهام الذي ينحصر في التقليد الكامل للمادة التراثية، حيث عملت تلك المفردات على صنع حيز من الإبداع بمعنى تصوري في كل هذه الممارسات التشكيلية.
وقد أسهم في ذلك، جرأة المبدع في تنفيذ تصوراته التي يُواكب من خلالها بتفاعل ناضج التحولات المختلفة التي تنشأ في عمق العمليات التشكيلية، إذ إن التفاعل مع أشكال الزخارف، ومع اللون وأشكاله، وتمثيل المادة التراثية في الزرابي، والأقمشة، والأنسجة وغيرها بأشكالها المختلفة، وفق تشكيلات متنوعة؛ جعل من المادة التشكيلية والمادة التراثية بؤرة تفكير في أعماله، أسهمت في تحول كل منهما من مادة مستقلة إلى مادة متكاملة، تجمع بين المجالات الفنية والمعرفية والثقافية، واعتماد عدد من المفردات المشتركة وتوظيف الشكل والعلامة، ما جعلهما أكثر انسجاما وملازمة وارتباطا، بل أدى ذلك إلى تعزيز العمق في التفاعل الفني والجمالي، وإضفاء الكثافة في الفهم، والغنى في التأويل، وذلك نتيجة الكم الهائل من التشكيلات البديعة التي تروم تلك الأشكال فتتقصد الاستعارة البصرية، ما يجعل هذا المنجز متعدد الدلالات والمعاني.
وفي السياق ذاته، يتبدى أن تلك العلاقة المتبادلة قد أجهزت على الأساليب القديمة في كل من المادتين.
خاصة أن التشكيل فن ذو طبيعة مزدوجة ينتمي إلى عدة اتجاهات فنية، يستثمر الإمكانات التي تتيحها هذه الحقول؛ فكان من البديهي أن تصبح طبيعة التلازم بين التشكيل والأشكال التراثية تفيد بأنه لا تصور لتلك الأشكال من دون تشكيل، فهذا الأخير له موقع حُسن يُناسب غايات الرموز والعلامات والأشكال بصياغات متنوعة، وبمعنيين، الأول يفيد مختلف العمليات التي تُستخدم لبلوغ معنى جمالي استيطيقي، والثاني يشير إلى جنس التشبيه والاستعارة التي تقوم على تمثيل الشيء من الواقع بشبيهه وتوليد المعنى.
فنقل الأشكال التراثية يقتضي من الخطاب التشكيلي مقصدية دلالية، لأن خصوصية الخطاب في التشكيل تكمن في مقصدياته الدلالية.
وهو بذلك المعنى؛ يمكننا من فهم العديد من المعطيات، ويمنحنا القدرة على امتلاك الأنساق الفنية، ويُيسر لاستعمالها الكثير من المفردات المشتركة التي تتأرجح بين جماليات تلك الأشكال وجماليات المادة التشكيلية.
ومن تم تتبدى العلاقات التي تُشكل في مجملها مختلف الرؤى الدلالية والجمالية في هذا المنجز، تظهر في المسالك المتنوعة التي تكشفها الرؤية البصرية، وتُستشف كذلك من تلك العلاقة بين الزخارف التراثية، والتحول التشكيلي الذي خضعت له، بإضافة مفردات فنية وألوان وعلامات نتجت عنها إيحاءات وإشارات ومعان، وهو ما أنتج في هذا المنجز توجها جديدا يتقصد مجالا استفهاميا حول هذه التجربة الثرية، ومقاربتها بالمشهد التشكيلي المعاصر، وبمفرداته وأدوارها في صياغة مسلك فني جديد، يهدف إلى تحويل الشكل برمته إلى دلالات وإلى معنى مشترك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك