عمان- بات تسريع التحول نحو التشغيل المؤسسي لخدمات النقل العام في الأردن ضرورة ملحة لرفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، من خلال تشجيع اندماج المشغلين الأفراد ضمن شركات منظمة وقادرة على إدارة الخطوط وفق معايير تشغيلية واضحة، بحسب خبراء في القطاع.
اضافة اعلانوأكد الخبراء أن اندماج المشغلين ضمن شركات سيسهم في تحسين انتظام الخدمة، ورفع كفاءة التشغيل، وتعزيز الرقابة والمتابعة، وتطوير مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وبينوا أن نجاح مأسسة النقل العام لا يقاس بعدد الشركات التي يتم تأسيسها أو بعدد المركبات التي تدخل الخدمة، وإنما بمدى انعكاس ذلك على حياة المواطنين من خلال انتظام مواعيد الرحلات، وتحسين جودة الخدمة، وتقليل زمن الانتظار، وتوسيع التغطية الجغرافية لشبكات النقل.
وشدد الخبراء على أن الوصول إلى هذه الأهداف يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والمشغلين والقطاع الخاص، بما يضمن تطوير القطاع وتحسين كفاءته مع الحفاظ على حقوق العاملين فيه، وتعزيز ثقة المواطنين بوسائل النقل العام، وجعلها خياراً أكثر جاذبية للاستخدام اليومي.
وتشير بيانات هيئة تنظيم النقل البري إلى أن عدد شركات النقل المنتظم والاستثمار المسجلة يبلغ نحو 14 شركة تمتلك 401 مركبة، فيما يضم قطاع النقل العام 1950 خطاً، ويبلغ إجمالي أسطوله 5202 مركبة عمومية، منها 683 حافلة كبيرة و3529 حافلة متوسطة.
وتعكس هذه الأرقام محدودية نموذج التشغيل المؤسسي مقارنة بحجم منظومة النقل العام التي ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التشغيل الفردي أو الشركات الصغيرة.
كما تظهر الخطة الإستراتيجية لقطاع النقل للأعوام (2024-2028) أن الملكية الفردية ما تزال السمة الغالبة في تشغيل الحافلات وسيارات الأجرة، بنسبة تصل إلى نحو 85 %، في وقت تضع فيه الخطة تطوير منظومة النقل العام وتحسين كفاءة التشغيل ضمن أولوياتها الرئيسة، انسجاماً مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
ويستند هذا التوجه إلى إطار قانوني قائم، إذ نصت المادة (13) من قانون تنظيم نقل الركاب رقم (19) لسنة 2017 على تصويب أوضاع المرخص لهم العاملين على خطوط نقل الركاب بموجب تراخيص وتصاريح فردية، من خلال الاندماج في شركة واحدة لتقديم خدمات النقل على خط أو مجموعة خطوط تخدم منطقة واحدة، أو الاشتراك في شركة لإدارة الخط الواحد أو مجموعة من الخطوط، مع مراعاة حقوق المرخص لهم عند احتساب نسب الملكية.
كما أجاز القانون تحفيز الشركات الناتجة عن اندماج المشغلين الأفراد عبر إعفاءات ضريبية ورسوم مختلفة، تشمل رسوم الجمارك وضريبة المبيعات على وسائط نقل الركاب، بهدف تشجيع التحول نحو أنماط تشغيل أكثر تنظيماً واستدامة.
ويؤكد خبير هندسة النقل والمرور، المهندس خالد حدادين، أن التوجه نحو شركات نقل عام أكثر تنظيماً يعد خطوة ضرورية لتطوير القطاع، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطاً بوجود رؤية مؤسسية وتشريعية واضحة، وليس بمجرد تنفيذ عمليات دمج شكلية للمشغلين.
ويبين حدادين أن التشغيل الفردي أو الشركات الصغيرة المتفرقة يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاوت مستويات الخدمة وصعوبة الرقابة والمحاسبة، فضلاً عن اعتماد التشغيل أحياناً على امتلاء المركبة بدلاً من الالتزام بجداول زمنية محددة.
ويضيف أن الشركات المنظمة، عندما تعمل وفق عقود واضحة ومعايير أداء محددة، تكون أكثر قدرة على تشغيل أساطيل حديثة، وتطبيق أنظمة الدفع الإلكتروني، وتتبع الحافلات، وتنفيذ برامج صيانة دورية، وتدريب السائقين، بما ينعكس على مستويات السلامة والراحة وجودة الخدمة المقدمة للركاب.
ويشدد حدادين على أن التحول نحو التشغيل المؤسسي يجب أن يتم بصورة تدريجية ومدروسة، مع تجنب التغييرات المفاجئة التي قد تترك آثاراً اجتماعية على المشغلين الأفراد وأصحاب الحافلات الصغيرة.
ويقول إن الهدف لا يتمثل في إقصاء هؤلاء المشغلين، بل في دمجهم ضمن شركات أو تكتلات أو نماذج تشغيل منظمة تحفظ حقوقهم ومصادر دخلهم، وفي الوقت ذاته ترفع مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.
من جانبها، تشير وزيرة النقل السابقة الدكتورة لينا شبيب إلى وجود ما يقارب 8000 مشغل ومالك يعملون بالنمط الفردي أو ضمن شركات صغيرة، مؤكدة أن نجاح الانتقال إلى التشغيل المؤسسي لا يرتبط بالنصوص القانونية وحدها، وإنما يتطلب استكمال الأنظمة والتعليمات التنفيذية وتوفير حوافز وتسهيلات تشجع المشغلين على الاندماج أو تأسيس شركات جديدة.
وترى شبيب أن هناك نماذج متعددة يمكن الاستفادة منها، سواء عبر شركات لإدارة الخطوط أو شركات تضم عدداً من المشغلين، بحيث توزع الحصص أو الأسهم وفق حقوقهم، بينما تتولى الشركة مسؤوليات الإدارة والتنظيم والتشغيل.
وتلفت إلى أن غياب مفهوم الشركة لدى بعض المشغلين، إلى جانب التخوف من الكلف المالية أو فقدان الحقوق، يستدعي جهداً توعوياً وتنظيمياً يوضح الصلاحيات والمسؤوليات وآليات العمل، فضلاً عن تقديم تسهيلات وحوافز، من بينها تخفيض الضرائب والرسوم، بما يعزز قدرة الشركات على تطوير خدمات النقل العام وتحسين جودتها.
بدوره، يرى الأكاديمي الدكتور المهندس طالب الروسان أن الانتقال من النقل الفردي إلى النقل المؤسسي يمكن أن يحدث تحولاً ملموساً في تجربة الراكب اليومية إذا ما تم تطبيقه بصورة مدروسة.
ويوضح أن الشركات تكون أكثر قدرة على الالتزام بالمواعيد، وتوفير جهة واضحة لتلقي الشكاوى، وتنظيم أعمال الصيانة الدورية، وتطبيق أدوات التحول الرقمي مثل الدفع الإلكتروني والتتبع اللحظي والكاميرات، وهي خدمات يصعب توفيرها في معظم أنماط النقل الفردي.
إلا أن الروسان يحذر في الوقت ذاته من أن تنظيم النقل عبر الشركات قد يتحول إلى سيف ذي حدين إذا لم يتم تصميمه بعناية، مبيناً أن الحد من المنافسة أو تركيز الخطوط بيد شركات كبيرة قد يقود إلى احتكار يضعف جودة الخدمة أو يرفع الكلف على المستخدمين.
كما يشير إلى أن فرض معايير جودة دون وجود رقابة فعالة قد يتحول إلى أعباء مالية إضافية يتحملها المواطن دون أن يلمس تحسناً حقيقياً في مستوى الخدمة.
ويؤكد الروسان أن التحول نحو التشغيل المؤسسي يواجه عدداً من التحديات المالية والتنظيمية، أبرزها كلف تأسيس الشركات وما يرتبط بها من أساطيل ومحطات وتقنيات وتأمينات، إلى جانب آليات تسعير الخدمة، وضمان حقوق المشغلين الحاليين، ومنع الاحتكار، فضلاً عن الحاجة إلى عقود تشغيل واضحة ورقابة فعالة وتنسيق مستمر بين الجهات المعنية.
ويحذر من أن غياب الرقابة أو ضعفها قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الفوضى ذاتها داخل نموذج مؤسسي جديد، الأمر الذي يتطلب بناء منظومة حوكمة فعالة تضمن تحقيق أهداف الإصلاح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك