نجح الفيلم الوثائقي التونسي القصير" العالم يصفّق" للمخرج حميدة شريقي في اقتناص جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير في المهرجان العالمي للأفلام بمدينة كان الفرنسية (في نسخته المستقلة).
الفيلم حقق اختراقًا لافتًا في المشهد السينمائي العربي كأحد الأعمال الرائدة، التي استندت بشكل جوهري إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي لتجاوز معضلة التمويل والإنتاج التاريخي المعقد.
ويأخذنا الفيلم في رحلة سينمائية نستكشف من خلالها تاريخ التصفيق عبر الحضارات والثقافات والأجيال، وكيف أصبحت هذه الحركة البسيطة شكلًا من أشكال التعبير الإنساني المتوارث عبر التاريخ.
ويتتبع فيلم" العالم يصفق" قصة واحدة من أقدم الإيماءات المشتركة في تاريخ البشرية، ويمزج بين السرد الوثائقي وإعادة بناء الأحداث التاريخية والابداع البصري المدعوم بالذكاء الاصطناعي، مستعرضًا كيفية تطور التصفيق عبر الزمن ليصبح لغة مفهومة تتجاوز الحدود.
وعبر برنامج" ضفاف" على شاشة التلفزيون" العربي 2"، كشف المخرج التونسي حميدة شريقي عن كواليس هذا العمل الفريد، لافتًا إلى أن الفكرة انطلقت من تساؤل دون تفكير: " من هو أول إنسان صفق في التاريخ؟ ولماذا نصفق؟ وكيف تحولت هذه الإيماءة البسيطة إلى لغة تعبيرية عامة تتجاوز حدود الجغرافيا والثقافات؟ ".
وأوضح شريقي أن توليد المادة العلمية والتاريخية للفيلم استغرق عامين كاملين من البحث المستمر والعميق، حيث تبيّن أن مادة" التصفيق" غنية وتكفي لإنتاج سلسلة وثائقية متكاملة وليس مجرد فيلم قصير.
وهذا الأمر ألهم المخرج التونسي لاختيار عنوان" العالم يصفّق" ليعكس شمولية هذه الظاهرة الإنسانية، التي ولدت من العالم وعادت إليه كإرث مشترك.
ومع ذلك، واجه المشروع عقبات تمويلية ضخمة؛ إذ حاول المخرج في بادئ الأمر تصوير الفيلم بالطرق التقليدية، وأجرى مقابلات حية مع جنسيات متعددة، لينتج نسخة أولية مدتها ساعة كاملة.
إلا أن شريقي لم يكن راضيًا عن جودة الصورة والإخراج التقليدي، لا سيما مع استحالة إعادة تمثيل الحقب التاريخية المتعددة، بدءًا من عصر الإنسان البدائي وصولًا إلى العصر الحديث، في ظل ميزانية منخفضة للغاية تتطلب تجهيزات سينمائية باهظة الكلفة.
وأشار المخرج التونسي إلى أن اللجوء للذكاء الاصطناعي لتوليد المشاهد البصرية والتمثيلية مرّ بمراحل معقدة واكب فيها التطور المتسارع لهذه التكنولوجيا.
فقد اضطر إلى إعادة توليد الصور والمقاطع عدة مرات لمواكبة التحديثات اليومية للبرمجيات، حتى تمكن في النهاية من رفع الجودة البصرية للفيلم إلى دقة (4K) السينمائية المعترف بها عالميًا.
ولم يتوقف التحدي عند البعد البصري، بل امتد لزاوية التكثيف الإبداعي؛ حيث اضطر المخرج إلى اختصار مدة العمل من ساعة كاملة إلى 26 دقيقة فقط ليواكب روح العصر وإيقاع المشاهد الحديث، الذي لم يعد يحتمل التدفق الطويل للمعلومات، مع الحفاظ على حبكة إخراجية مشوقة ومكثفة تختزل قصصًا ممتدة عبر التاريخ البشري.
وفي مفارقة لافتة، أكد شريقي أن الفيلم صُنع بالكامل عبر أدوات الذكاء الاصطناعي باستثناء عنصر واحد رفض التنازل فيه للآلة، وهو الموسيقى التصويرية.
وبرر شريقي خطوته برفضه للمخرجات الموسيقية الحالية للذكاء الاصطناعي، واصفًا إياها بأنها" تفتقر للجودة العالمية وتبدو نمطية ومكررة وتستخدم الآلات ذاتها بشكل آلي جامد".
وأضاف أنه نظرًا لطبيعة الفيلم التي تبدأ من العصور البدائية مرورًا بالحضارات القديمة وحتى اللحظة الراهنة، كان من الضروري الاعتماد على تصميم موسيقي بشري حقيقي يمنح كل حقبة تاريخية هويتها الصوتية المستقلة وإحساسها النابض.
وشدد على أن التصفيق في حد ذاته هو نوع من الموسيقى البشرية الخالصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك