من الـ4 إلى الـ11 من يوليو (تموز) الجاري، تستعيد مدينة ميديين الكولومبية موعدها السنوي مع القصيدة، مع انطلاق الدورة الـ36 من مهرجان ميديين الدولي للشعر، الذي تحوّل منذ تأسيسه عام 1991 من مبادرة ثقافية وُلدت في واحدة من أكثر مدن العالم عنفاً، إلى أحد أبرز الملتقيات الشعرية الدولية، جامعة شعراء وكتّاباً ومترجمين وجمهوراً من مختلف القارات، في تجربة تتجاوز حدود الأدب إلى إعادة تعريف علاقة المدينة بالشعر.
في ميديين، لا تُعامل القصيدة باعتبارها نصاً يُقرأ داخل القاعات المغلقة، بل بوصفها ممارسة اجتماعية تمتد إلى الفضاء العام.
ولهذا تنتشر أنشطة المهرجان في المسارح والساحات العامة والحدائق والمكتبات والجامعات والأحياء الشعبية، في مشهد يجعل من المدينة كلها منصة مفتوحة للكلمة، ويحوّل الشعر إلى جزء من الإيقاع اليومي للحياة.
وترفع دورة هذا العام شعار" نحو الربيع الإنساني.
الشعر قلب الأمل والسلام"، في لحظة عالمية تتصاعد فيها الحروب والأزمات الإنسانية في أكثر من منطقة.
ولا يبدو الشعار مجرد صيغة احتفالية، بل يعكس فلسفة رافقت المهرجان منذ بداياته، تقوم على الإيمان بأن الشعر ليس ترفاً ثقافياً، بل مساحة للحوار، وأداة رمزية لاستعادة الإنسان في مواجهة العنف والانقسام، وإعادة بناء الثقة داخل المجتمعات.
ويعزز هذا التوجه برنامج يمتد على ثمانية أيام، يضم 68 شاعراً من 32 دولة، يتوزعون على 48 فضاءً ثقافياً داخل ميديين وخمس بلديات من إقليم أنتيوكيا.
ولا تقتصر الفعاليات على القراءات الشعرية، بل تشمل ندوات فكرية، وورشات كتابة وترجمة، ولقاءات مفتوحة مع الطلبة، وأنشطة موجهة للأطفال واليافعين، إضافة إلى عروض موسيقية ومداخلات فنية، في مقاربة تعد الشعر جزءاً من الحياة اليومية، لا نشاطاً أدبياً منفصلاً عنها.
ويسجل العالم العربي حضوراً لافتاً في هذه الدورة، من خلال شعراء يمثلون تونس ومصر والعراق وقطر وفلسطين وسوريا، بما يعكس انفتاح المهرجان على مختلف التجارب الشعرية واللغات، ويؤكد مكانة القصيدة العربية داخل فضاء حوار عالمي متعدد الأصوات.
وتمثل المشاركة العربية، امتداداً لحضور شعري بات يجد في ميديين منصة تفاعلية تتقاطع فيها التجارب والأساليب والرؤى.
لا ينفصل اختيار الفضاءات المفتوحة لفعاليات مهرجان ميديين الدولي للشعر عن فلسفته المؤسسة.
فمنذ انطلاقه، راهن المهرجان على إخراج القصيدة من دائرة النخبة إلى الجمهور الواسع، وجعل الساحات والحدائق والأحياء مسارح طبيعية للشعر.
وفي هذا التوجه تكريس لفكرة أن الشعر يمكن أن يعيش خارج الكتب، ويقدر على بناء علاقة مباشرة بين الشاعر والمتلقي من دون وسائط أو قنوات تقليدية.
ومع هذا التصور، لا يبقى الشعر محصوراً داخل القاعات أو المسارح، بل يمتد إلى المدينة نفسها التي تتحول خلال أيام المهرجان إلى فضاء مفتوح للكلمة.
تتوزع القراءات واللقاءات في أجواء تقوم على التعدد الثقافي والتفاعل الإنساني المباشر، حيث لا يبدو الشعر حدثاً بروتوكولياً، بل تجربة اجتماعية تُبنى على الإصغاء والمشاركة، وتعيد تعريف معنى الاحتفال الثقافي بوصفه لحظة جماعية تتجاوز الشكل الاحتفالي التقليدي.
ويمتد هذا الحضور من المركز إلى الأطراف، إذ لا يكتفي المهرجان بالمسارح الكبرى، بل يصل إلى المكتبات والجامعات والمراكز الثقافية والأحياء البعيدة عن مركز المدينة، بما يجعل من الشعر ممارسة يومية داخل الفضاء العام، لا نشاطاً معزولاً عن الحياة.
وتداخل القراءات الشعرية مع الندوات الفكرية وورشات الكتابة والترجمة واللقاءات المفتوحة يمنح الحدث بعداً ثقافياً وتعليمياً في آن واحد، حيث يُقدَّم الشعر بوصفه أداة للتفكير والحوار وإعادة بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع.
ويحضر في هذا السياق البعد الإنساني بقوة، إذ تتحول القصيدة إلى وسيلة للتعبير عن أسئلة الذاكرة والحرية والعدالة، بعيداً من أي خطاب أيديولوجي مباشر.
ويتجلى هذا الانفتاح في حضور القضايا العادلة في العالم داخل الفضاء الشعري للمهرجان، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي كانت حاضرة بقوة في الدورة السابقة عبر مشاركات شعرية وقراءات تضامنية، عكست موقعها في المخيال الشعري العالمي بوصفها إحدى علامات سؤال العدالة والحرية، بما يعزز وظيفة القصيدة كمساحة للإنصات للإنسان وذاكرته وحقوقه.
من مدينة العنف إلى مدينة الشعرحين انطلقت الدورة الأولى عام 1991، كانت ميديين تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً، في ظل تصاعد العنف المرتبط بالحرب الداخلية وشبكات الجريمة المنظمة.
في تلك اللحظة، بدا تنظيم مهرجان شعري في الفضاء العام فعلاً يتجاوز الثقافة نحو إعادة تعريف معنى الحياة المدنية نفسها.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ومنذ ذلك الحين، اختار مؤسس المهرجان الشاعر فرناندو ريندون أن يجعل من القصيدة أداة للحوار والتعايش، ووسيلة لإعادة بناء الثقة داخل مدينة مثقلة بالخوف.
لم تُحصر الفعاليات في القاعات، بل انتقلت إلى الساحات والأحياء، في محاولة لاستعادة الفضاء العام بوصفه ملكاً مشتركاً للجميع.
وخلال أكثر من ثلاثة عقود، تحوّل المهرجان إلى أحد أهم التظاهرات الشعرية في العالم، واستضاف آلاف الشعراء من مختلف اللغات والثقافات، ونال عام 2006 جائزة" رايت لايفليهود" (Right Livelihood Award)، المعروفة بـ" نوبل البديلة"، تقديراً لدوره في تعزيز ثقافة السلام وحرية التعبير.
ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لم تتوقف عند حدود الرمزية، بل أصبحت جزءاً من سياسة ثقافية طويلة الأمد، جعلت من الشعر عنصراً في إعادة بناء صورة المدينة، وتحويلها إلى فضاء ثقافي عالمي.
وفي دورة هذا العام، يبدو هذا المسار مستمراً، حيث تتجدد فكرة أن القصيدة ليست حدثاً عابراً، بل ممارسة يومية قادرة على خلق معنى مختلف للعالم.
وهكذا، لا يبدو مهرجان ميديين الدولي للشعر مجرد تظاهرة أدبية سنوية، بل مشروعاً ثقافياً مفتوحاً على الزمن، يؤكد أن المدن يمكن أن تُكتب من جديد، وأن الشعر، رغم كل التحولات، لا يزال قادراً على أن يكون لغة للعيش المشترك، ونافذة مفتوحة على الربيع الإنساني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك