اعتبر خبراء ومسؤولون أن قرار تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي في دولة الإمارات يُمثّل تحولاً نوعياً في مقاربة التعامل مع الفضاء الرقمي، حيث لا يقتصر على أنه يُعدّ إجراء تنظيمياً، بل يرقى إلى كونه خطوة استباقية ووقائية، تعيد تشكيل علاقة الأجيال الناشئة بالعالم الافتراضي، وتؤسس لمرحلة جديدة من التوازن بين الاستخدام الرقمي والانخراط في الحياة الواقعية.
ووصفوا لـ«الإمارات اليوم» القرار بأنه «طوق نجاة» من حالة العزلة التي تفرضها الخوارزميات، ومنصات التواصل، والتي أسهمت خلال السنوات الماضية في إعادة تشكيل أنماط التفاعل الاجتماعي لدى الأطفال واليافعين، عبر الدفع نحو أنماط استهلاك سريع للمحتوى، وتكريس ثقافة الترند، والانشغال الدائم بالشاشات، على حساب الأنشطة المعرفية والثقافية والتواصل الأسري المباشر.
وأشاروا إلى أن هذه الخطوة من شأنها أن تفتح في المقابل آفاقاً واسعة أمام قطاعات الترفيه والثقافة والإعلام، لإعادة صياغة المحتوى الموجه للأطفال، من خلال تطوير برامج نوعية أكثر عمقاً وتفاعلاً، تواكب اهتمامات الناشئة وتطلعات الأسر، وتمنحهم بدائل حقيقية قادرة على جذبهم خارج الفضاء الرقمي المغلق، نحو تجارب أكثر ثراء في المسرح والفنون والقراءة والأنشطة الإبداعية.
وأكدوا أن أهمية القرار لا تكمن فقط في الحد من الوصول المبكر إلى منصات التواصل، بل في كونه يؤسس لنهج جديد يقوم على الانفتاح الرقمي المنضبط، الذي يستند إلى قاعدة مرجعية قيمية وثقافية متجذرة، تضمن أن يكون استخدام التكنولوجيا جزءاً من عملية بناء الوعي، لا عاملاً في تفكيكه أو تشويشه.
وأجمعوا على أن القرار يُمثّل نقطة تحول في مسار حماية الطفولة رقمياً، ويفتح في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة جديدة من الاستثمار في الثقافة والإعلام والتعليم والترفيه، بما يُعزّز بناء جيل أكثر توازناً ووعياً، قادراً على التفاعل مع التكنولوجيا من دون أن يقع تحت هيمنتها.
وفي المحصلة، لا يُنظر إلى هذا القرار باعتباره تقييداً لاستخدام التكنولوجيا، بل بكونه إعادة هندسة لعلاقة الطفل بالفضاء الرقمي، تقوم على مبدأ التوازن بين الانفتاح والحماية، وبين الاستفادة من التقنيات الحديثة وصون الهوية والقِيَم.
وهو ما يضع مختلف القطاعات أمام مسؤولية مشتركة، لإنتاج محتوى أكثر جودة وجاذبية، قادر على استيعاب احتياجات الجيل الجديد، وتحويل التحدي الرقمي إلى فرصة لبناء جيل أكثر وعياً ونضجاً وقدرة على الابتكار والتفاعل الإيجابي مع المستقبل.
ويرى مختصون أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً تدريجياً في طبيعة الأنشطة الموجهة للأطفال، مع تنامي الحاجة إلى تطوير برامج أكثر ابتكاراً في مجالات المسرح والفنون والموسيقى والقراءة والابتكار، إضافة إلى توسيع نطاق المبادرات المجتمعية التي تمنح الأطفال مساحة للتفاعل الواقعي، وتنمية المهارات، وبناء العلاقات الاجتماعية بعيداً عن العزلة الرقمية.
كما يتوقع أن يسهم القرار في إعادة تنشيط قطاعات ثقافية عديدة، من بينها مسرح الطفل، والمكتبات العامة، والمراكز الثقافية، والأندية الفنية، والبرامج الإعلامية المخصصة للأسرة، بما يعيد التوازن إلى المشهد الثقافي والترفيهي، ويمنح الطفل خيارات أكثر تنوعاً تجمع بين التعليم والمتعة، وتسهم في اكتشاف المواهب، وتنمية القدرات.
وفي هذا السياق، أكدت المدير التنفيذي لقطاع الفنون والتصميم والآداب في هيئة الثقافة والفنون في دبي (دبي للثقافة)، شيماء راشد السويدي، أن القرار يفتح آفاقاً واسعة أمام المؤسسات الثقافية لإعادة تصميم برامجها، بما ينسجم مع احتياجات الأطفال واليافعين في المرحلة المقبلة.
وقالت: «إن تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، يمنح المؤسسات الثقافية فرصة أكبر لتطوير تجارب تفاعلية تجمع بين المعرفة والإبداع والترفيه، وابتكار برامج نوعية تواكب اهتمامات الأطفال والعائلات، وتسهم في تنمية المهارات الفنية والأدبية، بما يدعم الصناعات الثقافية والإبداعية، ويُعزّز حضور الثقافة في الحياة اليومية، باعتبارها أحد أهم عناصر جودة الحياة وبناء المجتمعات الحيوية».
وأضافت أن القرار سيحفز الأطفال وأسرهم على الانخراط بصورة أكبر في الفعاليات الثقافية والفنية، والمشاركة في المبادرات التي تُمكّنهم من تحويل مواهبهم وشغفهم إلى مسارات إبداعية مستدامة، الأمر الذي يسهم في إعداد جيل جديد من المبدعين القادرين على إثراء مجالات الفنون البصرية، والموسيقى، والمسرح، والكتابة، والتصميم، وغيرها من القطاعات الإبداعية.
وأوضحت السويدي أن «دبي للثقافة» تعمل منذ سنوات على بناء منظومة متكاملة لرعاية المواهب الناشئة، من خلال برامج مركز الجليلة لثقافة الطفل، ومبادرات مكتبات دبي العامة، ومشروع «مدارس الحياة»، التي توفر للأطفال واليافعين بيئات تعليمية وثقافية ملهمة، تتيح لهم التعلم والتجريب، واكتشاف مواهبهم، وصقل مهاراتهم، بما يُعزّز قدرتهم على الابتكار والتعبير والمشاركة الفاعلة في صناعة مستقبل القطاع الثقافي والإبداعي في الدولة.
وأكدت أن هذه المبادرات تكتسب اليوم أهمية مضاعفة في ظل التوجه الجديد نحو توفير بدائل نوعية للأطفال، بما يجعل الفنون والآداب جزءاً أصيلاً من حياتهم اليومية، وليس مجرد أنشطة موسمية أو ترفيهية.
ويؤكد مختصون أن نجاح أي تنظيم لوصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي لا يرتبط فقط بوضع الضوابط والتشريعات، وإنما بقدرة المجتمع على توفير بدائل حقيقية، تستقطب الأطفال، وتشبع فضولهم، وتمنحهم مساحات أوسع للتعلم والابتكار والتفاعل المباشر، بعيداً عن العزلة التي فرضتها الشاشات خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس مجلس إدارة مسرح دبي الوطني، ياسر القرقاوي، أن قرار تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي ينسجم بصورة كاملة مع رؤية دولة الإمارات في إعداد أجيال تمتلك الوعي والمعرفة، وتتعامل مع التكنولوجيا بوصفها وسيلة للتعلم والتطوير، وليست بديلاً عن الحياة الواقعية أو العلاقات الإنسانية.
وقال: «إن هذه الخطوة تعكس حرص القيادة الرشيدة على بناء بيئة تربوية وثقافية متوازنة، تتيح للأطفال الاستفادة من التقنيات الحديثة ضمن ضوابط تحافظ على نموهم الفكري والاجتماعي، وتمنحهم الفرصة لاكتشاف مواهبهم في فضاءات أكثر تفاعلاً وإبداعاً».
وأضاف أن القرار من شأنه أن يُعزّز الدور المحوري للأسرة والمدرسة في توجيه الأبناء نحو الأنشطة الثقافية والفنية، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تكاملاً أكبر بين المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، حتى تتحول هذه الأنشطة إلى جزء من أسلوب حياة الأطفال، وليس مجرد فعاليات موسمية أو مناسبات محدودة.
وأشار القرقاوي إلى أن دولة الإمارات تمتلك بنية ثقافية متطورة، تشمل المسارح والمراكز الثقافية والمتاحف، والمكتبات والمؤسسات الإبداعية، إلى جانب الدعم المستمر الذي توليه الدولة للصناعات الثقافية، الأمر الذي يوفر قاعدة صلبة لاستثمار هذا القرار في إطلاق مبادرات جديدة تستهدف الأطفال واليافعين.
وأوضح أن مسرح الطفل سيكون من أكثر القطاعات استفادة من هذا التوجه، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة اهتماماً متزايداً بالمحتوى المسرحي الموجه للأطفال والناشئة، ليس باعتباره نشاطاً فنياً فحسب، وإنما بكونه يُعدّ شريكاً أساسياً في العملية التربوية، يسهم في تنمية الخيال، وصقل الشخصية، وتعزيز مهارات التواصل، وترسيخ قِيَم الانتماء والعمل الجماعي والثقة بالنفس.
وأضاف أن المسرح يمتلك قدرة استثنائية على الجمع بين التعليم والترفيه، إذ يتيح للأطفال التفاعل المباشر مع القضايا التي يعيشونها، ويحفزهم على التفكير والإبداع، بعيداً عن المحتوى السريع الذي تفرضه منصات التواصل الاجتماعي.
وأكد أن مسرح دبي الوطني ينظر إلى المسرح باعتباره جزءاً أصيلاً من منظومة الصناعات الثقافية والإبداعية، التي تسهم في بناء الإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ القِيَم الإيجابية، مشيراً إلى أن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في تقليل الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات فحسب، بل في توفير بدائل نوعية قادرة على جذبهم وإقناعهم، وهو ما تعمل عليه دولة الإمارات من خلال دعم الثقافة والفنون والابتكار، وتمكين المواهب الوطنية في مختلف المجالات الإبداعية.
من جانبه، وصف المدير التنفيذي لجمعية الناشرين الإماراتيين، راشد الكوس، القرار بأنه خطوة استراتيجية لإعادة التوازن إلى حياة الأطفال، وانتشالهم تدريجياً من العزلة الرقمية التي فرضتها الهواتف الذكية، ومنصات التواصل، والتي جعلت كثيراً منهم يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات على حساب القراءة واللعب والتفاعل الأسري.
وقال: «إن الطفل عندما يقضي وقتاً أقل على المنصات الرقمية، فإنه سيبحث بطبيعته عن بدائل تشبع فضوله، وهنا يبرز الدور المحوري للأسرة في توجيهه نحو الخيارات الأكثر فائدة، سواء كانت القراءة أو الأنشطة الثقافية أو الرياضة أو الفنون».
وأضاف أن دور الوالدين لا يقل أهمية عن أي تشريع، لأن الطفل يتأثر بما يراه داخل المنزل أكثر مما يسمعه من التوجيهات، لذلك فإن تقديم القدوة الحسنة، من خلال تقليل استخدام الهواتف أمام الأبناء، وإيجاد أوقات مخصصة للحوار والقراءة والأنشطة المشتركة، يُعدّ عاملاً أساسياً في نجاح أي توجه لتنظيم استخدام المنصات الرقمية.
وأشار الكوس إلى أن القرار يضع دور النشر الإماراتية والعربية أمام مسؤولية كبيرة، لتطوير محتوى أكثر جاذبية للأطفال، مبيناً أن المنافسة اليوم لم تعد مع الكتاب التقليدي، بل مع محتوى رقمي سريع ومتنوع، يعتمد على الصورة والحركة والتشويق، ما يتطلب إنتاج كتب مبتكرة، من حيث الفكرة والإخراج والرسوم، قادرة على جذب الطفل، وإثارة فضوله.
وأوضح أن المحتوى العربي الموجه للأطفال لايزال بحاجة إلى مزيد من التطوير مقارنة بما هو متوافر بلغات أخرى، الأمر الذي يستدعي تضافر جهود الناشرين والكتّاب والرسامين والمؤسسات الثقافية، لإنتاج أعمال عالية الجودة، تعكس الهوية العربية، وتخاطب الطفل بلغة عصرية تتناسب مع اهتماماته.
وأكد أن الإمارات تمتلك اليوم بنية ثقافية متقدمة تدعو إلى التفاؤل، مشيراً إلى أن مؤسسات، مثل مكتبة محمد بن راشد، وبيت الحكمة، تجاوزت مفهوم المكتبة التقليدية، وأصبحت مراكز ثقافية نابضة بالحياة، تستضيف على مدار العام فعاليات، وورش عمل، وأنشطة تفاعلية تستهدف مختلف الفئات العمرية، وفي مقدمتها الأطفال واليافعين، وأضاف أن معارض الكتب في أبوظبي والشارقة، إلى جانب مهرجان الشارقة القرائي للطفل، نجحت خلال السنوات الماضية في تحويل القراءة إلى تجربة ممتعة، من خلال دمج الكتاب بالمسرح والفنون والورش التفاعلية والأنشطة التعليمية، وهو نموذج يمكن البناء عليه خلال المرحلة المقبلة.
واختتم الكوس حديثه بتأكيد أن الدعم الكبير الذي توليه القيادة الرشيدة للمشروعات الثقافية، والاستثمارات المتواصلة في بناء الإنسان، ومبادرات، مثل «مكتبة لكل بيت» التي أسهمت في إيصال ملايين الكتب إلى الأسر، تُشكّل جميعها منظومة متكاملة ستؤتي ثمارها على المدى البعيد، معتبراً أن القرار الجديد سيمنح المؤسسات الثقافية زخماً إضافياً لتطوير مبادرات أكثر ابتكاراً، تستقطب الأطفال إلى فضاءات المعرفة، وتعيد تنشيط خيالهم، وتغرس فيهم حب القراءة، والتعلم مدى الحياة.
ولا تقتصر آثار القرار على المؤسسات الثقافية والتعليمية، بل تمتد إلى القطاع الإعلامي الذي يجد نفسه أمام مرحلة جديدة، تتطلب إعادة النظر في طبيعة المحتوى الموجه للأطفال واليافعين، فمع تقليص وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، تبرز الحاجة إلى إنتاج محتوى إعلامي قادر على استقطاب هذه الفئة، يجمع بين الجودة والإبداع، ويقدم المعرفة في قالب ترفيهي ينافس ما اعتاد الأطفال مشاهدته عبر المنصات الرقمية.
ويرى إعلاميون أن هذه المرحلة تُمثّل فرصة حقيقية لإحياء برامج الأطفال التي كانت تحظى بحضور واسع في الشاشات العربية، وإعادة تطويرها بما يتناسب مع اهتمامات الجيل الجديد، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة، وأساليب السرد البصري التي أصبحت جزءاً من ثقافة الأطفال اليومية.
وفي هذا السياق، قال الإعلامي الإماراتي، عيسى كايد، إن القرار سيفتح الباب أمام عودة الاهتمام بالمحتوى الإعلامي المخصص للأطفال والأسرة، موضحاً أن تقليل الوقت الذي يقضيه الطفل في متابعة المحتوى الرقمي السريع، سيدفعه تلقائياً إلى البحث عن بدائل تقدم له المعرفة والمتعة في آن واحد.
وأضاف أن التلفزيون والمنصات الإعلامية المحلية يمتلكان فرصة كبيرة لاستعادة جمهورهما من الأطفال، شريطة تقديم محتوى عصري قادر على مخاطبة اهتماماتهم ولغة عصرهم، بعيداً عن الأساليب التقليدية التي لم تعد قادرة على المنافسة.
وأشار إلى أن البرامج التلفزيونية الموجهة للأطفال تتميّز بخضوعها لمعايير تحريرية وتربوية واضحة، بما يضمن تقديم محتوى متوازن يحترم الخصوصية العمرية للطفل، ويقدم معلومات دقيقة ورسائل إيجابية، على خلاف كثير من المواد المتداولة عبر بعض المنصات الرقمية، التي قد تفتقر إلى الضوابط المهنية أو تقدم محتوى غير مناسب يؤثر في وعي الطفل وسلوكه وقِيَمه.
وأكد كايد أن القرار يضع المؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية كبيرة، لكنه يمنحها في الوقت نفسه فرصة لإعادة بناء علاقتها مع الأطفال والأسر، من خلال الاستثمار في إنتاج أعمال نوعية تنافس المحتوى الرقمي، سواء عبر البرامج التلفزيونية أو المنصات الرقمية الآمنة أو المحتوى التفاعلي الذي يجمع بين التعليم والترفيه.
وأضاف أن الطفل اليوم يمتلك خيارات واسعة، ولم يعد ينجذب إلى المحتوى التقليدي، بل يبحث عن السرعة والإبداع والصورة الجاذبة، الأمر الذي يتطلب من المؤسسات الإعلامية الاستثمار في الكفاءات الإبداعية والتقنيات الحديثة، لإنتاج محتوى قادر على المنافسة، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل إقليمياً أيضاً.
وأوضح أن نجاح وسائل الإعلام في تقديم محتوى حديث وعالي الجودة لن يقتصر أثره في تعويض جزء من الوقت الذي كان يقضيه الأطفال على منصات التواصل، بل سيسهم في استعادة ثقة الأسرة بالمحتوى الإعلامي المحلي، وبناء جيل يمتلك القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى العابر، بما يُعزّز الوعي الإعلامي لدى الأطفال منذ سن مبكرة.
اعتبرت رئيسة قسم علم الاجتماع بجامعة عجمان والباحثة في قضايا التحولات الرقمية، الدكتورة سمية عبداللطيف، أن القرار يُمثّل استثماراً طويل الأمد في بناء الإنسان، ولا ينبغي النظر إليه باعتباره حظراً للتكنولوجيا أو تقييداً لاستخدامها.
وقالت إن الطفل لا يتعامل مع الشاشة بوصفها جهازاً إلكترونياً فحسب، بل باعتبارها فضاءً تتشكّل داخله شخصيته، وصورته عن نفسه، وتتكون من خلالها معايير القبول الاجتماعي، والانتماء، لذلك فإن التعرض المبكر والمكثّف لمنصات التواصل، قد يترك آثاراً عميقة في البناء النفسي والاجتماعي للطفل.
وأضافت أن ثقافة «التريند»، والمقارنات المستمرة، والسعي إلى جمع الإعجابات والمتابعين، قد تدفع الأطفال إلى ربط تقديرهم لذواتهم بما يحققونه من حضور افتراضي، بدلاً من بناء الثقة بالنفس عبر الإنجاز الحقيقي أو المهارات الشخصية.
وأوضحت أن تنظيم وصول الأطفال إلى هذه المنصات يمنح الأسرة والمدرسة مساحة أكبر لاستعادة أدوارهما التربوية، ويتيح للأطفال استثمار أوقاتهم في أنشطة أكثر فائدة، مثل القراءة والرياضة والفنون والعمل الجماعي، إلى جانب منحهم فرصة للتأمل واكتشاف الذات بعيداً عن الإيقاع المتسارع الذي تفرضه المنصات الرقمية.
وأكدت أن ما يميز التجربة الإماراتية هو اعتمادها نهجاً وقائياً واستباقياً، فهي لا تنتظر ظهور المشكلات لمعالجتها، وإنما تعمل على بناء منظومة متكاملة تضمن انفتاح الأطفال على العالم الرقمي ضمن إطار قيمي وثقافي متوازن، يحافظ على هويتهم ويعزز قدرتهم على التعامل الواعي مع التكنولوجيا.
نحو بيئة رقمية أكثر أماناًأكد مدير جامعة أبوظبي في دبي ومستشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، الدكتور أنس النجداوي، أن القرار يُمثّل تحولاً نوعياً في مفهوم الرفاهية الرقمية، وينقل النقاش من مجرد إتاحة الوصول إلى التكنولوجيا إلى كيفية استخدامها بصورة آمنة ومسؤولة.
وأوضح أن دولة الإمارات تقدم من خلال هذا القرار نموذجاً متقدماً في حماية الأطفال في البيئة الرقمية، ينسجم مع التوجهات العالمية، لكنه يتميّز عنها بشموليته، وارتباطه برؤية وطنية متكاملة، توازن بين التطور التقني وحماية المجتمع.
وأضاف أن الرفاهية الرقمية لا تعني امتلاك الأجهزة الذكية أو سهولة الوصول إلى المنصات، وإنما تعني قبل كل شيء حماية الطفل نفسياً واجتماعياً، والحد من تعرضه لخوارزميات قد تدفعه إلى الإدمان الرقمي أو العزلة الاجتماعية.
وأشار إلى أن الأطفال في هذه المرحلة العمرية لايزالون في طور بناء شخصياتهم، الأمر الذي يجعلهم أكثر تأثراً بالمحتوى الذي يتعرضون له.
وأكد النجداوي أن نجاح القرار يتطلب تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية والأسر ووسائل الإعلام وشركات التقنية، بحيث تتحول الحماية الرقمية إلى ثقافة مجتمعية راسخة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك