«استعلاء اللغات» مصطلح يعني تسابق الشعوب لتعلم هذه اللغة، بل يتحول الأمر إلى عامل نفسي، فكلما رطنت الألسنة باللغة (أو اللغات) للحضارات المتسيدة عالميا، دلّ ذلك على علو ثقافة متكلمها، وعلو مكانته أيضا، فيما يمكن أن يسمى «الاستلاب اللغوي الحضاري»، بالركض لتعلم لغة المستعمِر أو المستعلي حضاريا، ويحتقر في المقابل اللغة الأم، ويرتبط الأمر ببعد نفسي، بأن يشعر الإنسان بالتيه والفخر عندما يجيد اللغة الأجنبية، ويتمثل الأثر السلبي في احتقار اللغة الأم، خاصة في صياغة الإبداع، وكتابة الأبحاث العلمية، ونحت المصطلحات، وترفع شعارات العولمة والعالمية والكونية وما شابهها، لتبرير فعلتها.
فلا شك أن هناك إغراءات سيكولوجية موظفة في مكامن القوة هي لغة معينة، حيث إن كل حضارة بارزة تتجه لنشر قيمها بالطريقة التي تؤدي إلى السيطرة على إدراك المتعلم، وبالتالي العمل على تشكيل وعي اتباعي؛ يؤدي إلى خلخلة واستيعاب خصوصية المعطى التداولي عبر تشويه الفهم وتعطيل معايير الحكم بالشكل الذي يبرز حالات الاختراق والتهجين والتذويب الهوياتي، وهي الأسباب التي حولت الثقافات السائدة إلى بائدة.
ومن هنا، نطرح السؤال: كيف نفهم الحضارات إذا تعددت أعراقها، وشعوبها في ضوء علاقتها باللغة؟والغاية من طرح هذا السؤال النظر إلى الخلفيات الفكرية والحضارية للغات في عالمنا اليوم، وفي هذا الصدد يؤكد صموئيل هنتنغتون في كتابه «صدام الحضارات»، أن الحضارات ليس لها حدود حاسمة، أي بلا بدايات أو نهايات محددة، ولذا، فإن تكوين الحضارات وأشكالها تتغير، وبإمكان الناس إعادة تعريف هوياتهم وفقا لانتماءاتهم الحضارية، ومن الممكن أن يتصارعوا ثقافيا وعسكريا.
فالحضارة منظومة قيم، وأفكار وتقاليد، ومبادئ، وهوية دينية وروحية وفكرية، يمكن أن تشتمل على دول كثيرة، وهذا وقع من قبل، فالحضارة الإسلامية احتوت شعوبا وممالك ودولا، ضمن ما يسمى العالم الإسلامي قديما.
ويذكر هنتنغتون أن جميع الباحثين والمؤرخين يقرون بوجود حضارة إسلامية متميزة، بدأت مع انتشار الإسلام في الجزيرة العربية، في القرن السابع الميلادي.
فهويتها الجامعة هي الإسلام، والعربية لغتها، لأنها لغة التعبد والعلم والثقافة، من دون إشعال حرب مع اللغات المحلية، وهو ما سهّل انتشار العربية.
والأمر قائم الآن، فالحضارة الغربية الحديثة تشمل الدول الأوروبية، وأيضا الولايات المتحدة، وأستراليا، وغيرها، الهوية الجامعة، أنها حضارة غربية، علمانية التوجه، مع كون الديانات الغالبة على شعوبها هي المسيحية، والعرق الأبيض قاسم مشترك بين شعوبها.
يمكن أن تتراجع بعض دولها على الصعيد الاستعماري والتأثير الدولي، مثل بريطانيا وفرنسا، ومن قبلهما إسبانيا والبرتغال، ولكن صعدت في المقابل الولايات المتحدة.
فالحضارة الغربية فيها عشرات اللغات؛ بعضها محدود الانتشار والتأثير، وبعضها واسع التأثير، مثل الإنكليزية والفرنسية، ثم الإسبانية والألمانية، مع اختلاف في درجات انتشارها.
ويتصل بالاستلاب ما يسمى «الاستعلاء الحضاري»، أو ما يطلق عليه «العلموية» التي تعني الاغترار العلمي الحضاري، ويبدو في تعصب الحضارة لعلومها ومفاهيمها، واحتقار كل ما عداها من حضارات أو ثقافات.
وهو ما أخذه نقاد الحضارة الغربية عليها، على حد قول وائل حلاق، حيث رأى أن العلموية أدت إلى تضخم الذات الغربية، فأصبح الغربيون على اعتقاد دائم بأنهم يمتلكون سلطة أغنتْهم عن كل حكيم يعلّمهم، لأنهم يرون أنفسهم الأفضل في امتلاك العلم، والمعرفة التقنية، التي مرجعها النهائي الذاتية الأوروبية، وقد ساهمت في تكوين صورة ذاتية وهمية بأنها سيدة كل الحضارات، ومبدأ أوروبا في ذلك أن السيادة المطلقة هي للأمة التي تجسد الدولة، وتمتلك إرادتها ومصيرها.
أي تعطي لنفسها كل الحق في التحكم في العالم، تفرض لغاتها وثقافتها وجيوشها على شعوبه، وتمعن في نهب الثروات وممارسة الهيمنة والتسلط.
والأمر امتد إلى الداخل الأوروبي، فتعاظمت المادية، والنزعة الفردية، وتغلبت نسبية القيم، وظهر الخلل في بنية الحضارة الغربية، وتخلخلت دعاماتها، وباتت مهددة بالانهيار، وهو ما يشخصه علماء الحضارة، ومنهم ألبرت أشيفتسر الذي يقول: إن الحضارة هي التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماهير على السواء، وعماد بنيتها تقليل الأعباء المفروضة على الأفراد، والجماهير؛ الناشئة عن الكفاح في الوجود، وإيجاد الظروف المواتية للجميع في الحياة قدر الإمكان للعيش الكريم، ومن أجل كمال الأفراد روحيا وأخلاقيا، وهو الغاية القصوى من الحجارة، ولكن أزمة الحضارة الغربية المعاصرة افتقادها الحس الأخلاقي الجمعي، والروحانية، وتفكك القيم، فقد كان الفرد يستمد العون والسند من الجماعة، واثقا من انتصار ما هو عقلي وأخلاقي، أما الآن فإن الدولة أفلست، وتحطمت الجماهير معنويا، فالإنسان اليوم يسلك سبيله القائم في الظلام، يسلكه بلا حرية، ولا حشد ذهني، ولا تطور شامل، وكأنه أضاع نفسه، في جو من عدم الإنسانية، وسلّم استقلاله الروحي، وحكمه الخُلُقي إلى مجتمع منظم يعيش فيه، ولم تظهر الفلسفة الغربية فهما للموقف الخطير الذي وضع إنسان الغرب فيه، فلم تساعده بحكمةٍ، أو حتى تدفعه للتفكير.
فأزمة الفرد أن الإنسان الحديث جعل رأيه الشخصي حكما أخلاقيا، وفق رغباته، وصار يبرر ما لا معنى له، ويسوّغ كل ما هو قاس وشرير في سلوك أمته (مثل جرائم الاستعمار)، تحت شعار أن أعمال الجماعة (الدولة) لا تقاس بمعايير الأخلاق، بل معايير الفائدة العملية، أي المنفعة.
وبناء على هذا، تسقط ادعاءات ربط اللغة الحضارية بالعرق والجنس، بمعنى أنه لا توجد لغة تعبّر عن جماعة مستطيلي الرؤوس، ولغة أخرى تعبر عن جماعة مستديري الرؤوس، أو أن هذه اللغة راقية تعبر عن رقائق الفكر ودقائق الإحساس، لأنها تعبر عن جماعة عرقية، أصحابها ناعمو الشعر، وأن هناك لغة متخلفة لأن أصحابها مجعدو الشعر.
وللأسف، فإن هناك مذاهب ونظما سياسية استغلت هذا التوجه، للتعصب لجنس ما، والزهو بلغته، واتخاذه ذريعة للسيطرة على شعوب تنتمي لأجناس أدنى منها، ويتكلمون لغات أدنى من لغاتهم، وبالتحديد أنصار الجنس الآري خاصة، والأوروبي عامة، الذين رأوا أن عائلة اللغات الهندوأوروبية أسمى من اللغات السامية والحامية، وأن سائر اللغات يجب أن تخضع لها.
وهو منظور سقط علميا، فلا يمكن للأنثروبولوجيين، أن يقولوا إن أصحاب الجماجم التي عثروا عليها، كانوا يتكلمون لغة متحضرة أو متخلفة، بل إن اللغة تنتشر لعوامل عديدة، لا علاقة لها بالجنس وشكل الجسد.
فاللغة العربية انتشرت بين شعوب من أجناس مختلفة، لا تربطهم بالعرب الأصليين أي صلة.
فينبغي إعادة الاعتبار للعوامل الفكرية والعقدية والروحية، ودورها في نشأة الحضارات، وعدم الاقتصار على طرح ول ديورانت، وغيره من فلاسفة الحضارة ذوي الرؤية المادية، التي تحصر قيام الحضارات بالعوامل الطبيعية المهيئة، وحدوث الاستقرار والأمن، فهذه جزء من كل.
فما يميز الحضارة الإسلامية ارتباطها بعقيدة قرآنية، واضحة المعالم، حددت لكل فرد حقوقه وواجباته، ووضعت تشريعات للجماعة والمجتمع والدولة والأمة بأسرها، فإذا ضلّ الفرد؛ قوّمته الجماعة.
وإذا ضلت الجماعة؛ وجدت أفرادا يصلحون اعوجاجها، لأن معينها رباني، لا مجال للزيغ فيه، ربما تضعف الحضارة، ولكنها لن تموت، فحتما ستأتي حقبة تشتد فيها، ويتعاظم دورها كما كان، والأمر لا يقاس بعمر فرد، ولا جيل، وإنما بالقرون المتتابعة، ضمن دورة الزمن الحضاري للأمم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك