كلما فاجأنا منتخب يعتبرونه «صغيراً» في بطولة كبرى، عادت الأطروحة ذاتها: انتهى زمن الكبار، وبدأ عصر جديد.
سمعناها مع يونان 2004، ونسمعها اليوم في مونديال 2026 بعد خروج ألمانيا أمام باراغواي بركلات الترجيح، وبلوغ المغرب ربع النهائي مجددا.
فهل تغيرت الموازين فعلا؟الجواب يحتاج تمييزا بين ظاهرتين.
الأولى حقيقية:تقلص الفارق: احتراف لاعبي أفريقيا وآسيا في الدوريات الأوروبية، وعولمة المدارس التدريبية والتحليل بالبيانات، واستثمار الاتحادات في الأكاديميات، جعلت منتخبات الصف الثاني والثالث قادرة على مجاراة النخبة بدنيا وتكتيكيا في مباراة واحدة.
المغرب 2022 لم يكن صدفة بل ثمرة مشروع طويل، واليابان باتت تهزم ألمانيا وإسبانيا بانتظام.
ويضاعف نظام خروج المغلوب هذا الأثر: مباراة واحدة تكفي لقلب التوقعات، وهو ما يفسر حضور مفاجأة أو اثنتين في كل دور رباعي، من اليورو إلى كوبا أميركا.
الظاهرة الثانية لم تتغير: حسم اللقب.
منذ يونان 2004 التي كانت استثناء إحصائيا صرفا بأسلوب دفاعي متطرف.
من ذلك العام من رفع كأس العالم؟ إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا والأرجنتين.
ومن توج باليورو؟ إسبانيا والبرتغال وإيطاليا.
القمة مغلقة، لأن الفوز بالبطولة لا يتطلب مفاجأة واحدة بل إدارة 7 مباريات على الأقل؛ ضغط بعمق دكة وخبرة لا يملكها إلا الكبار.
وتبقى كرواتيا الحالة الأكثر دلالة: منتخب بلد لا يتجاوز 4 ملايين نسمة بلغ نصف نهائي كأس العالم ثلاث مرات (1998 و2018 و2022)، ووصل إلى النهائي ذاته عام 2018.
كرواتيا هي الدليل على أن «الصغار» قادرون على الإقامة الدائمة قرب القمة، لكنها في الوقت نفسه الدليل المعاكس: حتى أكثر المنتخبات الصغيرة عنادا واستمرارية لم تعبر الخطوة الأخيرة قط.
ألا يجب التمييز جيداً بين الطموح - الذي يتزايد - والإمكان الهيكلي - الذي يتغير ببطء دون استمرارية غالبا، نعم الهرم يضيق من قاعدته فعلاً، ورأسه لا يزال ثابتاً منذ عقود.
والمفاجآت صارت أكثر تواتراً، لكن حسم الألقاب لا يزال يتطلب ما لا يملكه إلا «الكبار» أو من يقترب منهم باستمرارية استثنائية (كرواتيا مثال لم يستمر).
وبين الثورة المتخيلة - والمدفوعة بالأماني أحياناً - وبين الواقع الكروي المدعوم ماليا واستثماريا وسياسيا أيضا، يمكن تلمس الفارق بين الطموح والإمكان.
الآن هل لو كسر المغرب أو مصر وأميركا السقف في مونديال 2026، سيكون الأمر ثورة تختلف عن فوز اليونان مثلا، أو ظهور كرواتيا في نصف النهائي ثلاث مرات؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك