الدول التى تسعى لحماية أمنها القومى، الذى هو عماد استقرارها السياسى، هى الدول التى تسعى لترسيخ مؤسساتها وأجهزتها الأمنية من خلال عملية بناء إستراتيجى وعلمى، وهى تعكس حالة سياستها وفلسفتها كدولة هدفها تخليق مشروع مؤسساتى متقدم.
فى ليبيا تأسست أجهزتها الأمنية من منتصف الستينيات من خلال عناصر وطنية تحصلت على تأهيل متواضع وخبرات محدودة من خلال الإدارة البريطانية، ولكن قيادات تلك الأجهزة طورت نفسها فيما بعد من خلال دورات محدودة، قُدمت لها فى بريطانيا ومصر.
والمخابرات الليبية لم تكن فى بداياتها ذات طبيعة فنية كبيرة، خاصة أن ليبيا فى تلك المحطة السياسية كانت ملكية النظام، وتوجد فى مناخ سياسى مستقر بسبب حكمة الملك السنوسى وإدارته الناجحة للبلاد، والآلية التى يستخدمها لتطوير بلاده دون منازعات إقليمية أو دولية.
لذا امتلكت ليبيا جهاز مباحث على كفاءة عالية بخبرات وطنية، البعض منها تم تدريبه فى بريطانيا والأردن ومصر، التى امتلكت أجهزة أمنية عالية الخبرة.
وبعد سقوط النظام الملكى فى 1969 على يد العقيد معمر القذافى، بدأت المخابرات الليبية تأخذ منحنى آخر، حيث قام القذافى بتغيير الجهاز المخابراتى والأمنى فى ليبيا، فتم تكليف عبدالمنعم الهونى، عضو مجلس الثورة، بالمخابرات، الذي اختار مجموعة من خريجى الجامعتين فى بنغازى وطرابلس، وقام بتدريبهم تدريبا عاليا فى مدرسة عليا للمخابرات المصرية، لذا أُطلق عليهم فيما بعد فى المخابرات «مجموعة الهونى».
وقد شكلت هذه المجموعة تطورا ملحوظا فى جهاز المخابرات حتى تم إبعاد الهونى عن رئاسة المخابرات، واتهامه كأحد ضباط محاولة المحيشى 1975.
وبعد هذا التغيير، تحول الجهاز لأيدٍ قريبة من القذافى مباشرة كصهره بوشعراية فركاش، الذى أصبح الرجل الثانى فى المخابرات، بعد موسى كوسا، وبعض رجال الخيمة كعبد السلام الزادمة، وضباط محاولة 69 كالعقيد أحمد المقصبى، وأُطلق عليه «جهاز الأمن الخارجى»، وتناوب عليه أعضاء من اللجان ومثابات ثورية من المدنيين كإبراهيم البشارى وموسى كوسا.
لكن الشىء اللافت للنظر أن الجهاز لم يشارك فى عمليات الاغتيال بالثمانينيات التى قادتها حركة اللجان الثورية فى أوروبا ضد المعارضة الليبية.
وأعتقد أن هذا الاستبعاد جاء بسبب وجود عناصر مجموعة الهونى بالجهاز فى السفارات كضباط ارتباط آنذاك.
واعتمدت المخابرات على معلومات بدأت تمتلكها من مجندين فى مناطق كبيرة من العالم، وأصبحت ذات نفوذ مالى من خلال مشاريع استثمارية خارج ليبيا كشركة «التومويل» فى سويسرا، وبعض شركات النفط فى ميلانو، ومزارع بأمريكا الجنوبية.
ووصلت حتى لتجنيد شخصيات سياسية فى الولايات المتحدة وأوروبا بالمال الغزير والنفط.
وبعد انتفاضة فبراير، تسلمت المخابرات أكثر من شخصية، لكن عدم الاستقرار السياسى فى البلاد لم يجعل المخابرات كجهاز أمنى يحقق فاعلية أو أستقرارا أو تطويرا.
وظلت المخابرات تعانى مشكلة الانقسام فى البلاد حتى بوجود بعض الخبرات السابقة فيها.
ويأتى أخيرا تعيين بعض العناصر على رأس المخابرات ليشكل انهيارا جديدا لها، لأن تعيين عناصر لا تملك الخبرة ولا العلاقة بالعمل المخابراتي يعتبر انتهاكا صارخا لهذا الجهاز الأمنى الذى مهمته الحفاظ على الأمن القومى فى البلاد، والمحافظة على مكتسباتها السياسية والاقتصادية، وهو تعيين عمل جاء من مؤسسة عليا، وهي المجلس الرئاسى، الذى فى الاتفاق السياسى ليس من اختصاصه تعيين أشخاص لجهاز المخابرات، لأنه اختصاص أصيل للبرلمان، كما جاء فى الاتفاق السياسى بين الأطراف الليبية.
وعارض هذا التعيين الكونى، أحد أعضاء الرئاسى، بينما حذر ضباط المخابرات من الإذعان للتعيين الجديد.
فالمخابرات لا بد أن تبتعد عنها أيدٍ عابثة وطنيا، لأنها مؤسسة تحمل أسرارا ومهام وطنية جادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك