لم تعد المساعدات الإنسانية التي كانت تمثّل طوق نجاة بالنسبة إلى ملايين السوريين تصل إلى المستفيدين منها بالوتيرة نفسها التي اعتادوها في السنوات الماضية، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية في سورية ويواصل الغلاء استنزاف قدرة العائلات على تأمين احتياجاتها الأساسية من غذاء ودواء ومستلزمات الحياة اليومية.
وبينما تشير منظمات إنسانية إلى تراجع التمويل، يؤكد سوريون في مدن سورية ومخيمات أنّ واقعهم المعيشي يزداد صعوبة يوماً بعد آخر.
ويشكو عماد الرشيد، وهو موظّف يقيم في اللاذقية شمال غربي سورية، لـ" العربي الجديد"، من أنّ دخله الشهري لم يعد يكفي إلا لتغطية جزء بسيط من نفقات عائلته، لافتاً إلى أنّ الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية أجبره على الاستغناء عن احتياجات كثيرة كانت تُعَدّ ضرورية قبل سنوات.
من جهتها، تقول ابتسام شيخ علي وهي ربّة منزل لـ" العربي الجديد" إنّ" أكثر ما يرهق العائلات حالياً هو الارتفاع المستمرّ في أسعار المواد الغذائية وحليب الأطفال والأدوية"، مشيرةً إلى أنّ" تأمين الاحتياجات اليومية صار يتطلب الاستدانة أو الاعتماد على مساعدات الأقارب".
وفي مخيّم اليمضية بريف اللاذقية الشمالي، يقول النازح حسن شيخاني، لـ" العربي الجديد"، إنّ" المساعدات الغذائية التي كانت توزَّع بشكل دوري تقلصت بصورة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، فيما توقفت البرامج التي كانت توفّر مستلزمات النظافة والدعم الصحي بمعظمها، الأمر الذي انعكس مباشرة على أوضاع العائلات المقيمة في المخيّم".
ويضيف أنّ" العائلات صارت تضطر إلى تقليص عدد الوجبات اليومية، في حين أنّ شراء الدواء أو مستلزمات الأطفال صار عبئاً يفوق قدرة معظمها، خصوصاً مع غياب فرص العمل وارتفاع الأسعار".
وتأتي هذه الشهادات منسجمة مع ما أورده صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقرير أخير تناول فيه الوضع في سورية ما بين الأوّل من مايو/ أيار 2026 و30 يونيو/ حزيران منه، الذي حذّر فيه من تفاقم الأزمة الإنسانية منذ مطلع هذا العام، بسبب الفيضانات على امتداد نهر الفرات، بالإضافة إلى عودة أكثر من 460 ألف لاجئ من لبنان، الأمر الذي فرض ضغطاً إضافياً على الخدمات العامة.
وأوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان، في تقريره الصادر اليوم الأربعاء، أن نحو 1.
2 مليون شخص في سورية صاروا في حاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، من بينهم 295 ألف امرأة في سنّ الإنجاب، كذلك بيّن أنّ النساء والفتيات يواجهنَ مخاطر متزايدة مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، بالإضافة إلى محدودية الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية الأساسية بسبب تضرّر البنية التحتية واكتظاظ مراكز الإيواء.
وأشار صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أنّه وسّع نطاق خدماته المنقذة للحياة عبر المراكز الثابتة والفرق المتنقلة، وقد تمكّن منذ يناير/ كانون الثاني 2026 من الوصول إلى أكثر من 43 ألفاً و500 شخص من خلال خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وإلى أكثر من 46 ألفاً و600 شخص من خلال خدمات الوقاية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي.
ومن الناحية المالية، رفع الصندوق الأممي قيمة ندائه الإنساني العاجل الخاص بحلب وشمال شرقي سورية إلى 7.
5 ملايين دولار أميركي، مع العلم أنّ التمويل الذي كان متوفّراً حتى نهاية يونيو/ حزيران المنصرم لم يتجاوز 36% من المبلغ المطلوب، الأمر الذي يهدّد استمرارية الخدمات الإنسانية وتوسيعها، وفقاً لما جاء في التقرير الأخير.
وأوضح الصندوق أنّ هذا النداء يأتي من ضمن خطة الاستجابة الإنسانية الأوسع لسورية لعام 2026، والبالغة قيمتها 50 مليون دولار، داعياً المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم لضمان استمرار الخدمات الصحية وبرامج الحماية والوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة في ظلّ استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية في البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك