أثارت حزمة الإصلاحات الواسعة التي طرحها المستشار الألماني فريدرش ميرز لإعادة تنظيم سوق العمل وقواعده، نقاشا واسعا في ألمانيا بين معارضيها ومؤيديها.
فحسب وجهة نظر ميرز وحزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فإن هذه الإصلاحات تستهدف التغلب على نقاط الضعف التي تواجه الاقتصاد الألماني، من نقص العمالة وارتفاع أعباء نظام الرعاية الاجتماعية إلى الضغوط التي يفرضها تغير التركيبة السكانية بسبب الشيخوخة.
ومن المتوقع أن تمس الإصلاحات التي يطرحها المستشار الألماني، الحياة اليومية لملايين المواطنين، مثل قواعد الإجازات المرضية، ومستقبل التقاعد، ونظام المساعدات الاجتماعية، وشكل العلاقة بين الموظفين وأصحاب العمل.
ويرى ميرز وحزبه المحافظ، أن هذه الإصلاحات ضرورية لتحديث النموذج الألماني وجعله أكثر قدرة على مواجهة التحولات المقبلة، بينما تلاقي خططه انتقادات من النقابات التي تخشى أن تؤدي بعض الإجراءات إلى تراجع حقوق العاملين وتقليص مستوى الحماية الاجتماعية.
وحسب الرؤية التي يروج لها ميرز فإن ألمانيا بحاجة إلى تغيير قواعد اللعبة لمواجهة تحديات متزايدة، مثل شيخوخة السكان ونقص العمالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرة الدولة على تمويل نظام الرعاية الاجتماعية.
لكن منتقديه يرون أن هذه الإصلاحات قد تعني تقليص الضمانات التي اعتاد عليها المواطنون، وتحميل الموظفين جزءاً أكبر من أعباء المرحلة المقبلة.
أبرز المقترحات التي أثارت الجدل يتعلق بالإجازات المرضية.
فقد أظهرت دراسة حديثة أن العاملين في ألمانيا يحصلون في المتوسط على نحو 19.
5 يوماً من الإجازة المرضية سنوياً، مقارنة بحوالي 13 يوماً عام 2018، وهو ارتفاع دفع الحكومة إلى طرح فكرة إلزام الموظفين بالحصول على شهادة طبية منذ اليوم الأول للمرض.
وتقول الحكومة إن الهدف هو الحد من حالات التغيب غير الضرورية، وضمان استخدام نظام الإجازات المرضية بطريقة مسؤولة.
لكن النقابات ترى في الخطوة تعبيراً عن عدم الثقة بالموظفين، وتخشى أن تجعل العامل المريض يشعر بأنه مضطر للذهاب إلى الطبيب فوراً أو العودة إلى العمل قبل التعافي الكامل.
ولا يتوقف الجدل عند الإجازات المرضية، إذ يريد ميرز أيضاً منح الشركات حرية أكبر في استخدام عقود العمل محددة المدة.
وترى الحكومة أن ذلك قد يساعد على خلق فرص عمل جديدة، بينما تعتبر النقابات أن توسيع هذه العقود قد يجعل مزيداً من العاملين يعيشون حالة من عدم الاستقرار الوظيفي، خصوصاً الشباب الذين يسعون إلى بناء مستقبلهم وتكوين أسر.
وقالت نقابة العاملين في قطاع المعادن IG Metall، بحسب دويتشه فيله، إن بعض مقترحات الحكومة تمثل" هجوماً على حقوق الموظفين"، معتبرة أن الإصلاحات تستجيب أكثر لمطالب أصحاب العمل من احتياجات العاملين.
كما حذرت نقابة الخدمات، فيردي، من أن زيادة الاعتماد على العقود المؤقتة لن تعزز الثقة في سوق العمل.
من الملفات الحساسة الأخرى إصلاح نظام التقاعد.
فالمجتمع الألماني يتغير بسرعة؛ عدد كبار السن يرتفع، بينما يتراجع عدد الشباب الذين يدخلون سوق العمل ويمولون نظام المعاشات.
ولهذا يدفع ميرز باتجاه تشجيع من يستطيعون العمل بعد بلوغ سن التقاعد على الاستمرار لفترة أطول، وربما إعادة النظر مستقبلاً في العلاقة بين سن التقاعد ومتوسط العمر المتوقع.
لكن هذه الأفكار تثير مخاوف لدى كثير من الموظفين، خصوصاً العاملين في المهن التي تتطلب جهداً جسدياً، حيث يرون أن زيادة سنوات العمل قد تكون عبئاً غير عادل على من أمضوا عقوداً في وظائف شاقة.
يريد ميرز أيضاً تغيير نظام المساعدات الاجتماعية المعروف باسم" Bürgergeld"، الذي أُقر خلال الحكومة السابقة.
ويرى المحافظون أن النظام الحالي لا يشجع بما يكفي بعض المستفيدين على العودة إلى سوق العمل.
وتتجه الحكومة إلى تشديد الشروط المرتبطة بالحصول على الدعم، وزيادة الالتزامات المطلوبة من الأشخاص القادرين على العمل.
لكن منتقدين يقولون إن الفقر أو البطالة لا ينتجان دائماً عن غياب الرغبة في العمل، بل قد يرتبطان أيضاً بنقص فرص العمل المناسبة أو ارتفاع تكاليف الحياة، خصوصاً السكن والطاقة والغذاء.
يرتبط ملف الهجرة أيضاً بمشروع ميرز.
فألمانيا تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال في مجالات مثل الرعاية الصحية، الصناعة، والخدمات، بسبب نقص العاملين.
بينما يطرح المستشار المحافظ تشديد الإجراءات تجاه الهجرة غير النظامية وتسريع ترحيل من لا يملكون حق البقاء.
ويحاول ميرز الجمع بين مسارين متناقضين ظاهرياً: فتح الباب أمام من تحتاجهم سوق العمل، مع فرض قيود أكبر على الهجرة غير النظامية.
من بين أهداف الحكومة أيضاً تخفيف الإجراءات الإدارية التي يرى ميرز أنها أصبحت عبئاً على المواطنين والشركات.
وتشمل الخطة تسريع الخدمات الحكومية الرقمية وتقليل المعاملات الورقية.
ويرى مؤيدو هذه الخطوات أن المواطن الألماني ينتظر أحياناً وقتاً طويلاً للحصول على خدمات بسيطة، وأن الدولة بحاجة إلى أن تصبح أكثر سرعة ومرونة.
كما تشمل أجندة ميرز ملفات مثل السكن والرعاية الصحية، حيث تسعى الحكومة إلى تسريع بناء مساكن جديدة ومعالجة النقص في العاملين في قطاع رعاية كبار السن.
لكن خلف هذه الملفات جميعاً يبقى السؤال الاجتماعي الأكبر: كيف يمكن لألمانيا أن تحافظ على نموذجها القائم على الحماية الاجتماعية، وفي الوقت نفسه تواجه التحولات الديموغرافية والاقتصادية؟فأنصار ميرز يرون أن الإصلاحات ضرورية للحفاظ على قدرة الدولة على الاستمرار، بينما يخشى معارضوه من أن تؤدي إلى تغيير طبيعة العقد الاجتماعي الذي قامت عليه ألمانيا الحديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك