في أجواء متوترة، اجتمع قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا لتحويل التزاماتهم إلى واقع ملموس، عبر إبرام عقود دفاعية جديدة بمليارات الدولارات، تبشر بـ" ثورة صناعية دفاعية عابرة للأطلسي"، وفق وصف الأمين العام للحلف مارك روته.
وتركز الصفقات والمبادرات المطروحة خلال القمة على تعزيز الإنتاج المشترك للذخيرة، والتكنولوجيا المتقدمة، وأنظمة الدفاع الجوي، بهدف سد فجوات القدرات العسكرية وتعزيز الردع، بالتوازي مع تقديم 70 مليار يورو كمساعدات عسكرية لأوكرانيا.
وتضم قائمة الصفقات عقودًا مشتركة لإنتاج الذخائر الدقيقة والصواريخ بعيدة المدى، وأخرى لتطوير أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة المتقدمة، إلى جانب مذكرات تفاهم وخطابات نوايا لتطوير قدرات مشتركة في مجالي الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.
أما تركيا، الدولة المضيفة، فيُتوقع أن تبرم صفقة بقيمة 700 مليون دولار لشراء محركات طائرات لتشغيل المقاتلة التركية من الجيل الخامس" قآن"، إضافة إلى صفقة لشراء نظام دفاع جوي فرنسي-إيطالي.
من جهته، أعلن رئيس الوزراء الكندي أن 9 دول تعهدت بالانضمام إلى بنك دفاع عالمي جديد، يهدف إلى مساعدة الدول الحليفة على إعادة التسلح، وتعزيز قدراتها الدفاعية من خلال جمع ما يصل إلى 134 مليار دولار على شكل تمويل منخفض التكلفة.
وفي هذا الإطار، قال محلل التلفزيون العربي للشؤون العسكرية والإستراتيجية، اللواء المتقاعد محمد الصمادي، إن قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد اجتماع سياسي، بل تمثل قمة لإعادة هيكلة الاقتصاد العسكري في أوروبا والولايات المتحدة، معتبرًا أن الحلف يتحول تدريجيًا إلى" نادٍ للصفقات"، ولكن ليس بالمعنى التجاري فقط، بل في إطار إعادة تعريف العلاقة داخل الناتو وفق مبدأ تقاسم الأعباء مقابل استمرار المظلة الأمنية الأميركية.
وأوضح الصمادي أن قمم الناتو باتت تركز على العقود الدفاعية والإنتاج العسكري والاستثمارات الصناعية أكثر من تركيزها على البيانات السياسية، مشيرًا إلى أن الحلف يتحول من تحالف للردع إلى تحالف للإنتاج والتسليح، وأصبحت قيمة العقود الدفاعية أحد مؤشرات نجاح القمم.
صناعات عسكرية عبر الإنتاج المشتركوأضاف أن الطلب على الأسلحة ارتفع بوتيرة أسرع من قدرة الصناعات العسكرية الأميركية والأوروبية على الإنتاج، موضحًا أن المشكلة لم تعد نقص التمويل، بل تحويل الأموال إلى قوة قتالية، في ظل محدودية الطاقة الإنتاجية ونقص الذخائر والصواريخ الاعتراضية والأيدي العاملة الماهرة، إضافة إلى هشاشة بعض سلاسل الإمداد.
ورأى أن شركات الصناعات الدفاعية الأميركية الكبرى، مثل" لوكهيد مارتن" و" نورثروب غرومان" و" RTX" و" بوينغ"، تعد المستفيد الأكبر من زيادة الإنفاق العسكري، لأن معظم الجيوش الأوروبية لا تزال تعتمد على التكنولوجيا الأميركية في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى والطائرات الشبح وأنظمة القيادة والسيطرة، في حين تسعى أوروبا إلى توطين الصناعات العسكرية عبر الإنتاج المشترك.
وأشار الصمادي إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحقق إلى حد بعيد أهدافه داخل الناتو، إذ نجح في دفع الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي وتحمل حصة أكبر من أعباء الأمن، بما يتيح لواشنطن إعادة تركيز مواردها العسكرية على مواجهة الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
هل نحن أمام بداية سباق تسلح عالمي؟وحذر من أن الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري قد يقود إلى سباق تسلح عالمي مع روسيا والصين، ويزيد مخاطر سوء التقدير العسكري، فضلًا عن احتمال حدوث تضخم في أسعار الصناعات الدفاعية وتشوه أولويات الموازنات الأوروبية، ما يدفع اقتصاد القارة تدريجيًا نحو اقتصاد تعبئة عسكرية.
وبشأن بنك الدفاع والأمن والمرونة الذي أعلنت عنه كندا، اعتبر أن رأس المال المعلن، البالغ 134 مليار دولار، يمثل خطوة مهمة، لكنه قد لا يكون كافيًا لتلبية الاحتياجات المتزايدة، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية وأنظمة القيادة والسيطرة والحوسبة العسكرية والدفاع الصاروخي.
وأوضح أن أوروبا لن تتمكن على المدى القصير من تقليص الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة، لكنها قد تحقق ذلك خلال نحو عقد من الزمن إذا نجحت في بناء قاعدة صناعية دفاعية مستقلة، رغم التحديات المرتبطة بزيادة الإنفاق الدفاعي.
ولفت إلى أن أبرز التهديدات التي تواجه الناتو تتمثل في الصواريخ الباليستية، والذكاء الاصطناعي، وحروب المسيّرات، والحرب الإلكترونية، في ظل التطور السريع للقدرات العسكرية لدى الصين وروسيا وكوريا الشمالية.
وختم الصمادي بالقول إن ترمب فرض إرادة سياسية جديدة داخل الناتو عبر مبدأ" لا حماية من دون ثمن"، ما دفع الدول الأوروبية إلى الاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة الاستفادة اقتصاديًا من اتساع أسواق السلاح وإدارة الصراعات الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك