فجّرت توجيهات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوزير خزانته بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا أزمة حادة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالتزامن مع قمة أنقرة.
هذا الغضب الأمريكي المفاجئ ضد" الشريك الإسباني السيئ" -على حد وصف ترمب- يتجاوز حدود مدريد، ليضع قدرة واشنطن التنفيذية على المحك، ويختبر صلابة الرد الأوروبي المشترك أمام تصدع جديد يهدد بنية الناتو.
كما يصطدم القرار الأمريكي بجدار من العقبات الهيكلية والاقتصادية التي تجعل تنفيذه الفعلي أمرا بالغ التعقيد.
وفي هذا السياق، يرى جيم تاونسند نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق لشؤون أوروبا والناتو أن آليات التجارة مع دولة في الاتحاد الأوروبي تختلف تماما عن التعامل مع دول أخرى، مما يجعل معاقبة إسبانيا تجاريا أمرا مربكا وغير مبرر للمسؤولين في واشنطن.
من جانبه، يفكك أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف حسني عبيدي هذه الاستحالة عبر مسارين، أولهما مؤسسي، حيث تخضع العلاقات التجارية بالكامل لصلاحيات المفوضية الأوروبية، مما يضع واشنطن في مواجهة التكتل بأكمله.
والآخر اقتصادي، إذ يميل الميزان التجاري لصالح الولايات المتحدة بفائض يبلغ 5.
2 مليارات دولار، مما يعني -وفق عبيدي- أن قطع العلاقات سيكبّد الخزانة الأمريكية خسارة مباشرة.
أما عن خلفيات استهداف مدريد، فترى أستاذة العلاقات الدولية في جامعة فالنسيا لولا بانيون كاستيلون أن سلوك ترمب يمثل" إستراتيجية إلهاء" لتبديد الانتباه عن الإخفاق العسكري الأمريكي الأخير في إيران.
ووفق الأكاديمية الإسبانية، فإن ترمب يستغل موقف إسبانيا التي كانت الأكثر وضوحا في رفض استخدام القواعد العسكرية على أراضيها لمهاجمة طهران، ومعارضتها للحرب الإسرائيلية على غزة.
وتؤكد بانيون أن الرد الإسباني اتسم بالهدوء والدبلوماسية، حيث تتمسك مدريد بالتزاماتها" الدفاعية" داخل الحلف مثل المشاركة في فنلندا وحراسة الأطلسي مع رفضها القاطع للأجندات" الهجومية".
وتتجاوز تداعيات هذه الأزمة قضية إسبانيا لتطال العقيدة الأمنية للناتو، إذ يشير عبيدي إلى أن ترمب يسعى لنقل الأعباء المالية بالكامل للأوروبيين لإجبارهم على شراء السلاح الأمريكي، وهو ما يتعارض مع أولويات مدريد الداخلية كالبطالة والصحة، رغم رفع إنفاقها العسكري إلى 2%.
ويدفع هذا الشرخ، المقترن بمخاوف أوروبية من تقارب ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التكتل إلى التفكير في" مظلة أمنية أوروبية بديلة" أو" تحالف الراغبين" لدعم أوكرانيا إذا لم يتوفر إجماع أوروبي كامل، حسب عبيدي.
ورغم ذلك، يرى تاونسند أن إعادة تسلح أوروبا تحت قيادة الناتو لا تشكل خطرا بل تستهدف مواجهة التهديدات المشتركة، بينما يستمر أمناء الحلف في محاباة ترمب وترميم العلاقات معه لتجنب سيناريو انسحاب واشنطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك